ولا نغفل أن للدعاء أثرا عظيما في تزكية النفوس، وإن لرمضان خصوصية بالدعاء، وأخص بالذكر دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم): «اللهُم آتِ نفسِي تقواها، وزكِها أنت خيرُ من زكاها، أنت ولِيُها ومولاها».
وهنا يجدر بنا القول إنه لا شك أن خروج الإنسانِ عن المألوفِ بالنسبة له سواء فيما يخص مواعيد طعامهِ أو وظيفتهِ أو نومهِ أو غير ذلك هو سبب أدعى للاستنكار، فمن منا يستيقظ في منتصف الليل ليتناول الطعام ثم يعود لينام مرة أخرى؟! لكن الأمر يختلف في رمضان، حيث يتغيرُ الروتين مما يدعم التغلب على القلقِ وضغوطِ الحياةِ.
وكما ذهب العلماء إلى أن لكل إنسان نفسا واحدة قد تكون مطمئنة إذا ما أذعنت وجاهدت شهواتها، وقد تكون لوامة إذا لم يتم سكونها وكانت مدافعة لشهواتها ورغباتها ولهذا صارت لوامة لصاحبها عند تقصيره، أو قد تكون نفسا أمارة بالسوء إذا ما أطاعت لدواعي الشهوات ووساوس الشيطان، فقوله: «رُب صائِم ليس لهُ مِن صِيامِهِ إِلا الجُوعُ» يعبر عن أنه ليس المراد من الصيام أن يجوع بضع ساعات، ولكن المراد أن يتغلب الإنسان بصيامه على شهواته ويهذب نفسه ليلتحق بأفق الملائكة، فلا شك أن سبيل الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس من أجل الرقي بها إلى أن تصبح نفسا مطمئنة، تجتهد في تحصيل محبة الله تعالى بالامتثال لأوامره وتجنب نواهيه، وهي راجية مغفرته خاشعة له، خائفة مما أعده الله للذين يخالفون أمره.
والصيام في رمضان خير معين على هذا ويساعد المسلم على تجاوز ضعفه البشري أمام هوى النفس ورغباتها، فيتعلم ضبط زمام الهوى، وكبح جماح النفس، نفس تمسك عن بعض الحلال لأمر ربها، يجدر بها أن تكون أبعد عن الحرام والشبهات لأمر ربها، وفي ذلك صلاحها وزكاتها، ليس في الامتناع عن المحرمات وحسب بل الامتناع عن الحلال بقول المؤذن عند الفجر: (الله أكبر) خضوعا لأمر الله تعالى وإلى أن يقول عند المغرب: (الله أكبر)، حيث يستقر في أعماق كل مسلم ومسلمة أنه مازال إنسانا يحمل فطرة نقية ونفسا تستطيع أن تزكو بطاعة ربها.
صفوة القول أن رمضان فرصة عظيمة لتهذيب النفس وتزكيتها، ذلك حيث إن النفس قابلة للتزكية بالإيمان والعمل الصالح تعلو النفس وتطمئن، وبعكس الإيمان تخبث وتدنس وتفسد، عافانا الله، وكون الإنسان مبتلى بمجاهدة نفسه، وكلما قمع شهواته ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة، وإذا كان سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب تطهير وتزكية النفس وتهذيبها، فأي جدوى لتأخير تناول وجبة مع الانهماك في الشهوات الأُخر ى.
فالتمس أخي المسلم في رمضان فرصة لتهذيب نفسك، واستعن بالله وأكثر من الدعاء والاجتهاد في الطاعات، فهذا هو طريق النجاة وسبيل تهذيب نفسك.



