ومع ذلك كله ما زالت لغتنا تشكو من التغريب، في كلامنا الذي يستهوينا أثناء الحديث حشوه بكلمات إنجليزية عديدة، وفي حرصنا على تعليم أطفالنا لغة أجنبية قبل إتقانهم لغتهم الأم، وفي شركاتنا الكبرى التي لا تزال معاملاتها ومراسلاتها وأنظمتها تكتب بالإنجليزية، وفي جامعاتنا التي تصر على التعليم باللغة الإنجليزية في غير كلياتها وأقسامها المتخصصة في اللغة العربية، وفي لوحات واجهات المحلات التجارية المنتشرة هنا وهناك، والتي تقذي العيون بكلماتها الأجنبية، وبخطوطها الأعجمية وكأنها غير موجودة في بلاد عربية تعتز بلغتها الأم وتعمل على حمايتها من التشوية، وفي المكاتب التجارية التي لا يجد فيها العربي موظفا عربيا يجيد التخاطب معه كما هو الحال، في وكالات خطوط الطيران الأجنبية وما شابهها من مكاتب السفر والسياحة والشحن.
في هذه الحالة من التغريب التي تعيشها اللغة العربية بين أبنائها لا بد من مبادرات رسمية تعالج هذه الإشكالية، وتضع حدا لهذا الهدر لكرامة اللغة والإساءة إليها، وهذه حالة لا تقتصر على بلد عربي دون سواه، بل هي حالة تتكرر في جميع البلدان العربية، وهي في دول الخليج العربية أكثر من سواها؛ بسبب كثرة العمالة الوافدة فيها.
إن الانتصار للغة العربية هو انتصار للأمة، لتحافظ على قوتها ومنعتها من خلال لغتها، وفي سبيل ذلك لا بد أن تهيأ للأمة كل أسباب هذه القوة والمنعة، لتأكل مما تزرع، وتلبس مما تصنع، وتبني نهضتها بسواعد أبنائها، فإذا كانت اللغة تحمي وتحيي الهوية للأمة، فإنها في الوقت نفسه تكتسب قوتها وانتشارها من قوة أمتها، واللغات الأقوى في العالم هي اللغات التي تنتمي لأمم قوية، وفي التاريخ نرى الأمة المنتصرة هي الأمة التي تفرض لغتها بقدر انتصارها على غيرها، ولغة قوية تعني أمة قوية، ولا حل سوى إنقاذ اللغة من التغريب والتشويه والتهميش، فلغتنا هي هويتنا، ولا مفر من المحافظة على الهوية.



