وبعد سلسلة من الأخطاء المريعة، تسبب فيها عدم الإلمام العميق بالجغرافية البشرية للمنطقة، وعدم سماع نصائح قادة خبراء، تحول الحلم الأمريكي إلى كابوس مفجع زلزل المنطقة، وأصابها بانهيار جزئي، كاد يبتلع العراق ويحوله إلى مجموعات من الدول على أساس عرقي، وطائفي.
لقد دُمرت البنية التحتية والإدارية لدولة ذات تاريخ كبير، وعطشت دولة ذات نهرين، وعانى اقتصادها وشعبها الأمرين رغم الاحتياطي النفطي الضخم. لقد غاب الاستقرار فغابت الدولة.
لذلك لا أزال أميل إلى مدرسة في العلوم السياسية ترى أن الاستقرار هو اللبنة الأساسية لوجود الدولة، ما يمكنها من الاستفادة من ثرواتها، وبناء مستقبل أفضل لشعبها.
كانت تجربة العراق مثالا على الطريقة التي تدير بها واشنطن، والمعسكر الغربي الأمور. أخطاء طفولية رغم الإعدادات المهولة، والتحضيرات المطولة. لكن أخطاء قاتلة، كحل الجيش العراقي مثلا، كانت كفيلة بانهيار ركن ركين من كيان الدولة، الذي كان له الدور الأكبر في حفظ استقرارها منذ ثورتها الأولى قبل نصف قرن. لم تسمع واشنطن نصيحة الملك عبدالله، الأمير حينها، الذي حذر من هذه المسألة التي جعلت مئات الآلاف من الجنود يبدؤون مقاومتهم للاحتلال الأمريكي بعد حل جيشهم، ومصدر رزقهم.
وفي عام 2011 كانت المنطقة مسرحا لمشاهد جديدة. كان الوعد أمريكيا وأوروبيا بربيع جديد يبني عالما عربيا مختلفا. رغم أن التسمية فشلت تاريخيا، فلم ينجح أي ربيع منذ ثورات الربيع الأوروبية في القرن الثامن عشر، حتى ربيع براغ.
بحكم عملي الصحافي فإنني ألتقي بسياسيين ورجال إعلام غربيين، وأكتشف خلال حواراتي المعمقة مع عدد من الساسة والإعلاميين الغربيين، تلك الهوة الكبيرة التي تفصل بيننا. إنهم لا يفهمون أننا لا نزال نعيش في بلدان لم تكمل عملية تمرحلها التاريخي بعد.
لقد خاضت الدول الغربية صراعا امتد لقرون من أجل الحصول على العديد من الحقوق الفردية، فلا يمكن الضغط على دول عربية لفرض هذه التغييرات خلال سنوات معدودة. هذا صدام مع التاريخ قد يهدم الأسس، ولا تبقى دولة، ولا نظام، ليتم تطويره، وتغييره.



