مع كل هذا الفيض من المستجدات في مجالات التقنية وبرمجة الكمبيوتر، ورغم ادعاء البعض وصول هذه البرمجة إلى مستويات عليا من الذكاء تتفوق على ذكاء الإنسان إلا أن الحقيقة تبقى أن نظامًا واحداً من أنظمة هذه البرمجة لم يقترب إلى مستوى الذكاء الإنساني، ويؤكد ذلك (كيت دفيلن) في مقالة له بعنوان «الإنسان يغلب الكمبيوتر في لعبة المعرفة»، لأن كل الذي يحصل ببساطة أن معرفة محددة يصل إليها إنسان مبدع كطريقة لإنجاز عمل أو أداء مهمة معينة ثم تتم برمجة الكمبيوتر عليها، وبذلك يبقى الذكاء هو ذكاء إنسانيا وكذلك المعرفة هي معرفة إنسانية أيضًا. وقد أجريت عدة محاولات (كما يقول دفيلن) لتطوير برامج تعطي تشخيصًا للمرض إذا زودت ببيانات عن الأعراض التي تظهر على المريض، كما تم تجربة نظم الكمبيوتر ببيانات طوبغرافية حتى تحدد مواقع وجود النفط، وتعتمد الفكرة في هذه المحاولات على أن يقوم الخبير في تصميم هذا النوع من البرامج بمراقبة إنسان آخر خبير وهو ينفذ مهمة للوصول إلى قواعد معينة، ثم يقوم هذا المراقب بمقابلة الخبير لاكتشاف القواعد التي يستخدمها الخبير في استنتاج ما، ثم ترمز هذه القواعد التي يتم الحصول عليها في لغة برمجة ملائمة ويزود بها الكمبيوتر الذي تم تصميمه مسبقًا بطريقة محكمة ليقوم بعد ذلك بمحاولة التوصل إلى التشخيص المطلوب أو التنبؤ بشيء بناء على هذه القواعد.. وكانت النتائج أن هذه النظم لم تستطع أن تحاكي أداء الإنسان أو حتى تقترب من هذا الأداء.
لا نريد بكل ما سبق ذكره أن ننفي أهمية ما وصلت إليه التقنية الحديثة وما يمكن أن تصل إليه، فليس عاقلاً من يقول ذلك، وهو يرى ما يشبه الخيال من الإنجاز والنتائج المبهرة التي توصل إليها، ولا يمكننا إنكار ما وفرته البرمجة والنظم من فرص لتحسين حياة الإنسان واختصار الوقت والجهد والمال وتمكين الإنسان من الوصول إلى ما يريد بكبسة (click)، وهو الذي كان يقضي أوقاتا طويلة للوصول إلى ما يريد من المعلومات، بل إنه كان يضطر للسفر آلاف الأميال للحصول عليها، وهذا مثال واحد فقط من أمثلة عديدة ولكن الذي نريد أن نقول: إن هذه البرامج والنظم والأجهزة التي نعمل عليها وإن ساهمت في حفظ المعلومات وتنظيمها ومعالجتها لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإنسان في تطبيق المعرفة وحتى في الحالات القليلة التي استطاعت فيه بعض الأنظمة ويسمونها «أنظمة الخبراء» التوصل إلى مستوى من الكفاءة في تطبيق مهام محددة بنجاح إلى حد ما فإن النجاح في تطبيق هذه الأنظمة في أحيان قليلة يعود إلى أن نظام الكمبيوتر الذي تم تشغيله كان ميكانيكياً ومكلفاً جداً وخاصة عند محاولة تطويره ليكون ملائماً للتغيرات السريعة في مكونات النظم وبرامجها مما أدى إلى التخلي عنها.. ولذلك نعود إلى ما قلناه بداية وهو أن أنظمة برمجة الكمبيوتر مهما تطورت فلن تستطيع أن تنافس الذكاء الإنساني أو تكون بديلاً عنه ذلك أن أجهزة الكمبيوتر تنتج المعلومات بينما تملك الخبرة الإنسانية المعرفة تلك المعرفة التي تمكن حاملها من التصرف وإيجاد البدائل عند تغير الظروف وهو ما لا يستطيعه غيرها.. هذه المعرفة التي يقول (دفيلن) «إن المدير يحصل على ثلثيها من الاحتكاك المباشر مع شخص آخر وعلى ثلث واحد فقط من الوثائق والكمبيوتر».



