لم يغادرني ذلك الموقف الذي رأيته منذ قرابة السنة، وقد تشبث في ذاكرتي أكثر عندما تكرر اليوم ولكن بشكل آخر أكثر إيلاما. كنت أخرج من أحد المحال التجارية متجهة إلى السيارة، إذ بي أجد رجلا أمامي منحنيا ليلتقط شيئا ما من الأرض أو هكذا كان يبدو لي، انتظرته حتى يلتقط ما أراد ولكني تفاجأت به يمشي وهو على هذا الوضع، أمعنت النظر لأجده رجلا مسنا تعدى الستين على ما يبدو، كان للزمن بصمته الواضحة في انحناء ظهره وبطء سيره. أكمل سيره بتروٍ يحمل في يده كيسا فيه بعض الخبز متجها إلى سيارته لأكتشف أنه أتى وحده وهو من يقود نفسه ومركبته وحياته بأكملها كما أظن.
اعتصرني الألم من هذا المنظر وتساءلت كثيرا عن أبنائه أو أقربائه، وانقضت سنة، لأراه مرة أخرى في نفس المكان وقد ازداد انحناء وكبر وكأن ما مضى عشرات السنين وليست سنة واحدة، وكيس الخبز في يده وفي الأخرى يد سائقه الذي كان يقوده على مهل، هنا فقط أعدت التساؤل بغيظ عن أبنائه الذين تركوه يقضي حاجياته بنفسه في أعوام مضت وعندما أقعدته الحياة عن قيادة السيارة، اكتفوا بتوفير سائق له دون أي مشاعر تدفعهم إلى بره والعناية به والتي يريدها من أبنائه بكل تأكيد وليس من سائق!
لم يرب الآباء أبناءهم ليجازوا بالإهمال بعد ذلك، فالمسن يعيش تحت ضغوط نفسية قد لا يشعر بها الآخرون وقد يحاول جاهدا أن يظهر لهم قوة مزيفة تخور عند القيام بمهمة ما، وحاجته الدائمة لمن يسانده في أمور حياته تجعل منه شخصا منطويا على ذاته يحاول الاكتفاء من الحياة بما يستطيع القيام به خشية إزعاج الآخرين، أو لأنه يفتقر لمن يكون عونا له على كِبر سنه كما هو ظاهر في المثال الذي ذكرته آنفا.
إن العناية بالمسن مهما كانت صلته بنا كالثمر الذي نزرعه ونجنيه عندما يكبر، فكما تريد أن تُعامل من ابنك في كبرك عامل أباك وأمك، ولنحرص جميعا على أن لا تبعدنا مشاغل الحياة وتلون مساعيها عن ما هو أهم وأبقى لنا في الدنيا كواجب العناية بهم وبركة وجودهم وما سنجنيه في الآخرة من الأجر العظيم الذي قد يجهله الكثير ممكن فضلوا بقاء مسنيهم في دور الرعاية ظنا منهم أنها المكان الأفضل لهم، هناك الكثير من القصص المؤلمة التي تمنى فيها البعض عودة الزمن للوراء لنيل رضا أب أو عودة أم ليكفروا عن ما اقترفوه تجاههم من إهمال أو عقوق. عافانا الله من أن نكون منهم.