«إذا كنت في مكان عام وسمعت أحدهم يصرخ بصوت مرتفع في جهة فأمسك حقائبك بقوة وانظر إلى الجهة الأخرى فإن الحدث الحقيقي هناك، هذا ما قالته التجربة»، وهذا ما حاولت أن أطبقه على أزمة اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي في تركيا. فهذا الاهتمام المبالغ فيه بقضية اختفاء جمال خاشقجي، أكثر من 6000 خبر ومقال وتقرير من 68 دولة حول العالم، أمر لا يعقل أنه لذات السبب.
وعلى الرغم أنه في يوم اختفاء خاشقجي كان هناك أيضا اختفاء لرئيس الإنتربول الدولي في الصين، وسبقه أيضا اختفاء بل وقتل عدد من الصحفيين حول العالم. ففي هذا العام فقط تجاهل الإعلام العالمي اختفاء أو مقتل أكثر من 43 صحفيا من أمثال الصحفية الاستقصائية البلغارية (فيكتوريا مارينوفا)، التي تم اغتصابها وقتلها، والصحفية الاستقصائية المالطية (دافني غاليزيا) التي أسهمت في كشف الفضائح السابقة في مالطا، والمعروفة بوثائق بنما، والتي وجدت مقتولة أمام منزلها بعد انفجار سيارة مفخخة. واغتيال الصحفي الاستقصائي (يان كويساك) السلوفاكي الذي قتل في بيته بالرصاص هو وصديقته بسبب تحقيقاته حول عمليات التزوير المتصلة برجال أعمال وسياسيين، والصحفيين الخمسة الأمريكيين الذين قتلوا بالرصاص في هجوم استهدف صحيفة «كابيتال جازيت»، والصحفي الفلسطيني أحمد أبو حسين الذي أصيب برصاص الاحتلال خلال تغطيته للأحداث بقطاع غزة والقائمة تطول. إلا أن أخبارهم لم تشهد تغطية إعلامية كبيرة كهذه التي تشهدها قضية خاشقجي، والذي لم يثبت حتى الآن أنه قُتل أو اُختطف. مما يدلل أن هناك حملة شرسة ممنهجة ومخطط لها منذ فترة، لتشويه صورة المملكة وإنجازاتها، أشرفت عليها شركات علاقات عامة كبرى، وضخت من أجلها مبالغ طائلة، وتقودها وسائل إعلامية لها علاقات مع جماعة الإخوان الإرهابية، في مقدمتها قناة الجزيرة. وكما يقول المثل الشعبي، «مو رمانة، القصة قصة قلوب مليانة».
المسألة الثانية، هي الحملة الشرسة التي تفتقد للمهنية والمصادر المتزنة التي خاضتها صحف عالمية مثل: (الواشنطن بوست) و(النيويورك تايمز)، ووكالات عالمية مثل: (رويترز) يفترض فيها المهنية والمصداقية. وأنا اعتقد أن هذا الأمر راجع لسببين رئيسيين.. السبب الأول: هو أن هذه الصحف وكغيرها من الصحف الأمريكية تواجه صعوبات مالية؛ بسبب تراجع عائدات الإعلانات والتوزيع إلى جانب اهتمام القراء بالمواقع الإلكترونية الإخبارية المجانية مما يجعلها صيدا سهلا لمن يدفع أكثر. فصحيفة (نيويورك تايمز) على سبيل المثال التي تمارس نهجا خارجا عن المهنية الإعلامية والمصداقية وتصنع ضبابية للمتابع الغربي على القضايا السعودية، تعاني من تراكم الديون والتي تقدر بنحو مليار دولار، وقد رهنت مبناها للدائنين، وبالتالي كيف لا تنجرف تحت تأثير المال الأجنبي في مقابل فبركة الأخبار وتزييف الوقائع. السبب الثاني: هو دخول وسائل الإعلام وأقصد الأمريكية في صراع مباشر ومستمر ومدعوم من التيار الديمقراطي، مع الرئيس ترامب منذ بدأ حملته الانتخابية، حيث يتهمهم بفبركة الأخبار وشن حرب إعلامية ضده. وقد تصاعد هذا الصراع على إثر موسم انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بعد أسابيع والذي تم استثمار أزمة خاشقجي أنجح استثمار وأوجد مناخا للمزايدة والحملات المضادة لضرب ترامب وحلفائه في المنطقة.
إن هذا الطوفان الهائل من الأخبار و«الفبركات» الصحفية المتعمدة في معظمها، سوف تنسف عبر بيان الحقيقة وكشف أهداف هذه الحملة المنظمة أمام الرأي العام العالمي. فنتائج التحقيق بشأن قضية خاشقجي سوف تعلن قريبا وتنكشف الحقيقة كاملة ويضيع كل هذا الزبد جفاء. وكما يقول (جون آدامز) الحقائق أشياء عنيدة، ومهما كانت رغبات بعض الدول أو فبركاتهم فهي لا تستطيع تغيير حالة الحقائق والبراهين.