إذا كان لكل عصر ما يوسم به فيقال العصر الحجري والعصر الحديدي وعصر العجلة والعصر الوسيط والعصر الحديث وعصر تدفق المعلومات فإنني أكاد اسمي عصرنا هذا بعصر الإشاعة، إذ لا يخلو كوكب الأرض برمته من إشاعات متوالية على كل صعيد: سياسي واقتصادي وفكري واجتماعي وطبي إلى آخره مما أصبح الناس يرسلونه عبر وسائط التواصل الاجتماعي بهدف التسلية أو التشويش أو التخريب.
وقد ارتقت الإشاعة، إن جاز لها أن ترتقي، لتحتل مراتب من الاحتيالات والتربصات إلى درجة أن أصبح حاملو لوائها يتفننون في ابتكار وسائلها. ولم يعد ممكنًا، فيما يبدو، حصر هذه الوسائل التي تبدأ من تركيب خبر محبوك عن قرار سيادي اتخذ اليوم إلى هبوط البورصة أو موت شخصية شهيرة أو بيع المترو في باريس على مستثمر تونسي.!! هناك لذة ما لدى مبتكري الإشاعات وناقليها ومروجيها. وهناك دائمًا أخطاء غير مقصودة من تصديق هذه الإشاعات ونقلها من قبل أبرياء لم يصل بهم الخبث إلى درجة كشف ما هو حقيقي وما هو مزيف من الأخبار والمعلومات.
شخصيًا أقع أحيانًا في هذا المطب فأجد خبرًا يحمل مصدره اسمًا موثوقًا مثل اسم موقع إخباري أو ما شابه ثم أفاجأ بأن براءتي أوقعتني في حبائل الإشاعة والمشاركة في ترويجها. أصبحت أشكك في كل شيء وافتش في كل شيء حتى لو كان المصدر على درجة كبيرة ومعروفة من المسؤولية والثقة بما يرسل. ما يدريني مثلًا أن هذا الخبر من وكالة (واس) الرسمية إذا كان هناك ألف (واس) بنفس الاسم والشكل و(البايو) على تويتر.؟! وما يدريني إذا كانت (سي إن إن) هي من بثت هذا التقرير إذا كان هناك آلاف من معرفاتها على كل وسائط التواصل والبطون المتعددة لشبكة الإنترنت.
هو إذن عصر الإشاعة بامتياز، وعلينا نحن الأبرياء أن نمارس الحذر فقط، ونعمل جهدنا للتثبت مما نشارك به الآخرين الذين يتابعوننا ويثقون بنا. لا حيلة لنا سوى الحذر والمزيد منه لكي نسلم ونجنب الناس الأضرار البالغة للإشاعات وما يترتب عليها من نتائج سيئة أو مفزعة أو مدمرة.