كرة القدم.. تلك التي بدأت بالمُتعة للبشر.. دخلت العالم المجنون لصناعة تجارية مربحة بالمليارات، وأصبح نجومها الأشهر والأغنى في العالم، فكل الناس يعرفون ميسي لكنهم لا يعرفون رئيس الأرجنتين، وكل البشر يعرفون كريستيانو رونالدو لكنهم لا يعرفون رئيس البرتغال.
كرة القدم التي رفعت فقراء لا يجدون قوت يومهم لأثرياء يتلاعبون بالملايين، وأوقعت أغنياء في حفرة الفقر بسبب المراهنات، وأبكت رؤساء دول لم تهزهم الحروب وكانوا عظماء وشرسين انتصروا في حروب عالمية كبرى، ولكن عندما تخسر منتخبات بلادهم في كرة القدم.. يذرفون الدمع أمام الجميع دونما خجل.
إنها لا تعترف بصديق وعدو.. كلاهما في أجندتها صنف واحد.. تصبح صديقة وعدوًا في آنٍ واحد.. تفرح وتبكي.. لديها آلية تحكم في قلوب ملايين البشر.. رغم أنها جماد يركلها من يشاء. هي المعشوقة في الأحياء والقرى والمدن والدول.. متوغِلة في قلوب الفقراء والأغنياء.. يُحبها الأبيض والأسود والصغير والكبير والمثقف والجاهل.. وتصرف من أجلها مليارات الدولارات.. التي لو وزِعت على مجاعة العالم لحُل هذا الملف العالق من أساسه.
كرة القدم.. تزهو كفتاة ساحرة سرقت عقول وقلوب الكبار والصغار.. الرجال والنساء.. تجوب المدن والقرى وكل بلدان العالم.. فاتنة يسيل لها اللعاب.. تعشق من يعشقها.. لا ترضى بحب أبدي.. هوايتها أن تسرح وتمرح.. لكنها في بعض الأحيان غدارة كالبحر.
كرة القدم دخلت حياة البشر والشعوب.. وأصبحت لغة سلام.. وأحيانا لغة حروب.. وأجندة للساسة، ورواية للأدباء وقصيدة للشعراء.. تؤثر في البشر دون أن تتأثر.. لا تملك إحساسا ولا مشاعر.
يقال إن الدور الأول من مونديال 2018 لم يرتق للمستوى المطلوب فنيًا، ولم يظهر الكبار بأدائهم، وخرج حامل اللقب الألمان، وقالوا إن الشعب الروسي غير مهتم بكرة القدم، ومع هذا
التراجع في الأداء الفني لم يخفت بريق المونديال، وما زالت الإثارة تجوب كل شعوب العالم.
غريبة وعجيبة هي كرة القدم، لكنها في كل الأحوال لا ترغب فيمن يعطيها عواطفه دون عقله، ولا تعترف بمن يدق بابها دون تركيز، كرة القدم ليس لها أمان، قد ترمي بخنجرها لمن أخلص لها داخل المستطيل الأخضر.