سوف يأتي زمن نسمع فيه عن النجوم في القصص والشعر ولا نعرف ذلك الإحساس المهيب عندما نقف أمامها ونستشعر عظمة خالق الكون وبديع خلقه. وإن كنت قضيت في السابق ليلة تحت النجوم إلا أنني أعد نفسي محرومة لقلة الفرص لتكرار تلك التجربة. أجدادنا كانت النجوم جزءا طبيعيا ويوميا من حياتهم ومثل كثير من الأمور التي زالت مع التطور والحداثة والتنمية ما عاد لها مكان أو أهمية تذكر.
نحرم من منظر النجوم بفعل أيدينا. بسبب ما يسمى تلوث الضوء (light pollution). وهو أن ينبعث الضوء من الأرض للسماء بسبب الإنارة الليلية القوية وعدم توجيه حزم الضوء على الأرض حيث نحتاجها. بل نترك جزءا كبيرا منه باتجاه السماء بحيث ينعدم الظلام الذي نحتاجه ليكون لدينا التباين المطلوب لرؤية النجوم. في المدن نكاد لا نرى سوى عدد بسيط من النجوم وخارج المدن يزيد عددها قليلا، ومع ذلك فإن عدم رؤيتنا للنجوم لا يعني أنها ليست موجودة بل فقط أننا منعنا أنفسنا من رؤيتها.
موضوعي اليوم ليس محصورا في النجوم وتلوث الضوء ولكن في كل ما يشبه تلك الحالة. فكم تحيط بنا أمور موجودة ومنعنا أنفسنا منها بسبب أفعالنا؟ ما هي ملذات العيش التي حرمنا منها بسبب قد نستطيع إزالته؟
إن كنا نحتاج الظلام لرؤية النجوم فإننا نحتاج التعب لنحس بالراحة ونحتاج المعاناة للإحساس برغد العيش. من الطبيعي أن تتحول حياتنا من حال إلى حال ولعله كلما ازداد هذا الفرق بين ما نحب وما نكره وبين ما يسعدنا وما يكدرنا نقدر ما نملك ونحس بقيمة الأشياء ونحمد الله على كل ما نمر به من إيجابي وسلبي، ومن نعم ومعاناة.
فمثلا عندما نمر بيوم تتراكم فيه المواقف السيئة تلفت انتباهنا كلمة لطيفة لشخص أخذ على عاتقه إسعاد من حوله بينما استسهل الغالبية الجفاء. فهذه الكلمة تزداد قيمتها لندرتها مثل كل شيء.
أعرف أناسا مرفهين لديهم كل ما يمكن أن يتمنوه ومع ذلك تكثر شكواهم ويقتلهم الإحساس بالملل. أناس تعودوا من سن مبكرة أن طلباتهم مجابة. كذلك هناك فئة تمت «حمايتها» من كل ما قد يكدر صفو عيشها. سلبوا القرارات لأن هناك من يصنعها لهم «لمصلحتهم». إن العالم مليء بالمخاطر ومن واجب الأهل حماية طفولة أبنائهم ولكن ليس لدرجة الحد من العيش. إنها بالفعل معادلة صعبة. في الغرب انتشر مصطلح (Cotton wool parenting) وهو التربية من خلال لف الأبناء بالقطن (مجازا) من أجل حمايتهم. وإن كان الهدف هو الحماية فإن من المضار نمو الأطفال من دون ثقة بالنفس وعدم تعلم تحمل المسؤولية. كذلك تحرمهم من تعلم كيفية اتخاذ القرارات والاستقلالية وغيرها. دعوا الأطفال يقعون ويفشلون ليعرفوا قيمة الأشياء ويقدروا صعوبة الأمور وأهمية العمل ومن بعد النجاح يذوقون حلاوته.
تخيلوا معي ساعة جدارية ذات بندول أو رقاص الساعة. يتحرك البندول يمنة ويسرة كأنه يتأرجح بين الحلو والمر. كلما زادت تلك الحركة، زاد التباين ومن خلال التباين نستشعر حلاوة الشيء.
السعادة ليست في أن يكون كل شيء جميلا ولكن في أن نرى الجمال في كل شيء، فدعوا البندول يرقص وعيشوا الحياة بأكملها.