في إحدى الرحلات على خطوط طيران لا أستخدمها عادة فوجئت بالمضيفة تحمل صندوقا وتبحث عني برقم المقعد وتناديني بالاسم لتناولني إياه. لم أعرف ما الذي بداخله وما هذا التمييز، وانحرجت بأنها أولت لي اهتماما لم يكن لغيري. سألتها عما بالصندوق وقالت إنها وجبة، وعندما سألتها لماذا لم تعط الركاب الآخرين، قالت إنني أنا طلبتها وهم لم يطلبوا. في الواقع لم أطلب الوجبة أو على الأقل لم أكن أعرف أنني طلبتها حيث كان في نموذج الحجز الالكتروني جزء يتعلق باختيار الوجبة ومررت عليه دون قراءته إلا أنني فوجئت أنه يحوي اختيارا مسبقا يجب إزالته في حال لم أرغب بوجبة. أتساءل كم من المبيعات لوجبات نتجت عن عدم القراءة أو خطأ من قبل عميل لم يدقق كامل النموذج ولم يتوقع استراتيجية بيع كهذه؟
إن كان هذا مثالا واحدا فهناك العديد من الأمثلة لاستراتيجيات تسويق وبيع نتيجتها شراء ما لا تود شراءه مثل التأمين مع المنتجات وغيرها. نستطيع أن نرجع نجاح هذه الاستراتيجية إلى طبيعة في سلوك البشر وهي أننا «نسلك الطريق الأقل مقاومة» (the path of least resistance) أو ما يسمى أيضا «مبدأ أقل جهد» (principle of least effort). فإن كان الشيء ممكنا من خلال بذل القليل من الجهد كان هذا الأصل في سلوكنا. لماذا تصعب ما يمكن تسهيله؟ هذا هو أيضا السبب وراء أننا نادرا ما نغير شيئا لا نحتاج لتغييره مهما كان بسيطا، ومنها مثلا معاودة اختيار نفس الكرسي حول طاولة اجتماعات دون الحاجة الفعلية لذلك. كذلك إن بحثنا عن معلومة ووجدنا ما يرد على تساؤلاتنا في الغالب لا نستمر في البحث لإيجاد إجابة أفضل بل نكتفي بما لبى الاحتياج الأساسي. لدينا روتين معروف ومتعارف عليه لأمور يومية وإن كنا نستطيع تغييرها لا نفعل، وذلك كون أفعالنا في الغالب تتأثر بتجاربنا السابقة.
عندما نعرف ونتوقع هذا السلوك يمكننا أن نتكيف معه لنصل إلى أفضل النتائج وهذا بالفعل ما تفعله بعض الشركات وإن كانت النتائج الإيجابية للشركات وليس للعملاء. هناك بعد أخلاقي واضح لاستغلال طبيعة البشر في بذل أقل جهد ممكن عندما تتبنى الشركات هذا النهج ويدفع الثمن المستهلك. في ٢٠١١ أصدر الاتحاد الأوروبي عددا من التعديلات على قوانين الشراء عبر الانترنت التي شملت منع وجود صناديق مسبقة الاختيار تشمل إضافات لم يطلبها العميل.
وإن كنا نتكلم عن الصناديق مسبقة الاختيار على أنها تدخل ضمن «الجهد» فقد تعتقد بأن هذا مبالغ فيه نظرا لصغر حجم المجهود الفعلي، ولكن دعونا نستعرض تأثير ذلك في مثال. عند تجديد الرخصة في ألمانيا يحوي نموذج التجديد عبارة تطلب من الشخص تحديد صندوق الاختيار في حال كانوا موافقين على التبرع بأعضائهم في حال الإصابة بحادث لا سمح الله وتعذر إنقاذهم. نسبة الذين يوافقون هي ١٢٪ فقط نظرا لما يتطلبه من قراءة وتفكير واتخاذ قرار مما يجعل الغالبية تتجاهل أو تؤجل هذا القرار. أما في النمسا فالوضع يختلف جذريا كون ٩٩٪ موافقين على التبرع بالأعضاء وسبب هذا الفرق بسيط جدا. ففي النمسا صياغة العبارة تطلب من الشخص اختيار الصندوق في حال لم يرغبوا بالتبرع بالأعضاء وليس العكس كما هو في ألمانيا وهذا نتيجته أنه فقط ١٪ من الناس يكلف على نفسه اختيار الصندوق وبهذا نصل إلى حل مشكلة مهمة من خلال التعامل مع الناس بالسلوك المتوقع وهو رغبتهم ببذل أقل جهد ممكن. بهذا نشجع السلوك المرغوب دون سلب الناس حق الاختيار.
بعض الشركات تسهل بيع المنتجات وتصعب الترجيع بشروط تعجيزية ومن ينوي بذل أقل جهد في الغالب لن يجد مبررا لإرجاع شيء اشتراه. كم من شخص أعطي مخالفة مرور يؤمن بعدم صحتها ولكن مجرد التفكير بالاعتراض والدخول في إجراءات تستدعي منك الجهد من تعبئة استمارة أو مراجعة المرور يجعل الكثيرين يدفعون على مضض لإنهاء الأمر. في الغالب نفسر صعوبة هذه الإجراءات وكأن الجهة تقول «لك الحق أن تعترض على مخالفة أو جودة خدمة وطلب استرجاع حقك وكل ما عليك أن تفعله هو أن تتسلق سبعة جبال ماشيا على يديك وأن تعبر بحرا ملتهبا وتصارع التنين وتنقذ الأميرة. بعدها ننظر في طلبك ونرد لك حقك ونوفي بوعدنا لك».
المؤسسات الحكومية هي من الجهات التي يمكنها أن تستفيد بشكل كبير من هذه المعلومة وذلك أنه في الغالب هناك سلوك مرغوب متماشٍ مع أنظمة الدولة يمكن تحقيقه في حال تم تسهيل هذا السلوك في مقابل أن تزيد صعوبة سلوك غير مرغوب فيه. ويبقى الجانب الأخلاقي والحقوقي في غاية الأهمية وكما يقال «مع القوة العظيمة تأتي المسؤولية الكبيرة».