DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

المستشرقون الجدد

المستشرقون الجدد

المستشرقون الجدد
ما زالت تبهرني عروض الأفلام القصيرة التي تنتجها المكاتب المعمارية الغربية التي تصمم لإحدى دول الخليج وكلما شاهدت أحدها سألت نفسي «كيف يروننا؟ ولماذا تم تجسيدنا هكذا؟». فمن يهتم بدراسة الاستشراق ويظنه شيئا قديما وبعيدا عن حياتنا اليوم فليعد النظر. فهذه الأفلام بحد ذاتها تشكل بيئة خصبة للدراسة والتعمق فيما يعتقد معماريون من الغرب اننا عليه أو ما قد يعجبنا أو ما نبحث عنه. إخراج الفيلم وما يصور من عناصر واستخدام الموسيقى المناسبة كلها أدوات لتدخلنا جوا معينا يُزعم أنه يرتبط بماضينا ويتناسب مع حاضرنا، وهنا لا أتكلم عن تصاميم المشاريع بل فقط عن الأفلام التي يستخدمونها لعرض تلك المشاريع على العملاء. فلقطات الطيران فوق الصحراء وكأنها التقطت من على متن بساط الريح والتصوير من خلال سعف النخل ومرورا بواحة نسمع فيها خرير الماء لتظهر لنا تحفة معمارية من تصميمهم وكأنها جزء طبيعي من البيئة كلها صور معتادة. أضف لها غروبا وهلالا يظهر في السماء مع أشخاص يلبسون اما الثوب او العباءة ويتجمعون ويتحركون بشكل غريب وتكتمل الصورة. نادرا ما تخلو هذه الأفلام من تلك العناصر التي ارتبطت بِنَا من خلال تخيلنا من قبل هذه المكاتب على أننا «الآخر». ولا يتم التعليق عليها كوننا نفتقد العين الناقدة والمحللة للأمور وقبلنا هذه الأفلام على انها واقعنا او انها لا تعنينا بالشكل الكافي ليكون لنا ردة فعل عليها. ما تحمله الأفلام من رسائل واضحة كانت ام مبطنة عمن نكون هي بمثابة امتداد لمشروع استشراق مصغر وغير منظم. من مقابلتي لعدد من المعماريين الغربيين استغربت من قلة معرفتهم بالبيئة الثقافية والاجتماعية للدول التي يصممون لها ولعلي اسرد من هذه القصص في مقالات لاحقة. فالأفلام المنتجة لا اعتقد انها نتاج سوء نية من طرفهم ولكنه جهل واعتماد على مكاتب متخصصة لإنتاج هذه الأفلام وقد اعتمدت لنفسها نموذجا متكررا يعتمد على فكر استشراقي ضمني متوارث. فالاستشراق بكل بساطة تعريف الغرب للشرق مع التركيز على ما يميز الشرق ويجعله مختلفا، أي «الآخر» وكان مشروعا ثقافيا سياسيا استفاد منه الاستعمار في فرض سلطته على شعوب تعتبر «أقل» ومختلفة. وحتى بعد الاستعمار اعتاد الشرق على ان يرى نفسه بعين الغرب وأصبحنا نعزز ونؤصل الفكرة دون وعي منا ودون تمييز. في الأفلام عندما يقبلها العميل وبالذات عندما تكون لمشاريع وطنية مهمة تتبع وزارات ومؤسسات الدولة فإن اللوم لا يقع على المكتب المنتج فقط بل بالدرجة الأكبر على العميل الذي يقبل بمثل هذه الأفلام لتشكل مستقبلا جزءا من إرثنا الحضاري وهي تحمل في طياتها ما لا يمثلنا. وبالرغم من إضافة عبارات تطلب في المشروع ان يكون «متوافقا مع الهوية الوطنية» نجد ان مشكلتنا ليست مع المعماري الذي فسر قدر استطاعته ما تعنيه هذه الجملة، مشكلتنا بالعميل السعودي الذي هو نفسه لا يعرف ماذا تعني هذه الجملة ولا يستطيع أن يميزها في مشروع ان وجدت ام لا. ان نرضى بما لا يمثلنا هو ترك مساحة التعريف عنا للغير وقتها لا حق لنا في الشكوى عن كيف يرانا الآخرون ان لم يكن لنا دور في تعريف أنفسنا.
المزيد من المقالات