DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

ابتذال الحب

ابتذال الحب

ابتذال الحب
ورد في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان برفقة أحدهم عندما مر رجل بقربهما فقال المرافق (والله يا رسول الله إني أحبه فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب وأخبره أنك تحبه) وهذا توجيه انساني راق ونصيحة جميلة سيكون لهما أثر طيب في نفس الطرفين من أعلن عن حبه ومن تلقى ذلك الإعلان. بل قد يكون له أكثر من ذلك عند من يحتاجون لذلك حاجة قصوى فبعض الناس يقضون حياتهم بين كثير من الناس الغافلين عن أهمية إظهار المشاعر. في السنوات القليلة الماضية فطن الناس إلى أهمية التركيز على التعبير عن المشاعر الجميلة تجاه الآخرين، واهتم كل من الطبيب النفسي والموجه في التنمية البشرية لذلك وصاروا يشجعون الجميع على ذلك. ولكن يبدو أن هذا الاهتمام زاد عن حده فانقلب إلى ضده، فبعد أن كنا في تقشف زائد، وجفاف حاد في المشاعر شاعت كلمات التحبب واللطف بطريقة لا تخلو من المبالغة فتساهل الناس في منح محبتهم اللفظية لمن يعرفون ويحبون فعلاً ولمن لا يعرفون ولا تربطهم بهم سوى علاقة عملية مؤقتة جداً كما هي العلاقة بين البائع والمشتري على سبيل المثال؛ وذلك على اعتبار أنها من باب التلطف في التعامل مع الآخرين من الغرباء أو المعارف الذين تربطنا بهم علاقات بسيطة وسطحية جداً. وهذا الأمر شائع عند الجنسين الإناث والذكور، ولكن يبدو لي أنه شائع أكثر بين النساء، فقد أدخل إلى لمتجر لشراء غرض ما، فأجد الموظفه تستعرض أمامي كل قاموسها العاطفي! فتقول: هذا يا حبيبة قلبي الكريم المرطب وتستطيعين يا عيوني استخدامه بعد تنظيف بشرتك، ثم يا قلبي ضعي الماكياج!!! أحيانا أتمنى أن أوقفها وأقول لها: أنا لست كذلك، فأنا مجرد زبونة غريبة ولا تربطني بك إلا هذه العلاقة النفعية المؤقتة، وإذا كنت تلاطفينني كعميلة بهذه الطريقة فأنت مخطئة، والمطلوب منك كموظفة تفرض عليها طبيعة عملها أن تتودد إلى الناس وتلاطفهم فلك أن تتمسكي فقط بما يناسب هذه العلاقة المؤقتة مثل: لو سمحت، إذا تكرمت، يا سيدتي، أو حتى يا مدام هكذا ستوجهين نداءك لي أثناء عملية الشراء، أو فتح حساب في بنك، أو طلب تنفيذ مهمة ما في أي دائرة بمنتهى اللطف والتهذيب وهو المطلوب. أما إذا ناديتني بيا حبيبتي ويا عيوني فإني سأسأل نفسي ماذا أبقت هذه المرأة لأمها وابنتها وأختها وصديقتها المقربة من كلمات تكون صادقة حين تقولها لهن. وضمن مجموعات «واتس اب» لاحظت أن بعض الرجال يوجهون الكلام لبعضهم أو يشكرون بعضهم بيا حبيبي!!. ما أراه من كل ذلك أن بعضنا صار يسترخص هذه المفردات ويقولها لمن يستحق ومن لا يستحق، فصار استخدام ألفاظ الخاصة للعامة شائعاً ومبتذلاً بطريقة ممجوجة؛ لأنها خالية من الصدق، فلماذا نوزعها كذباً في الوقت الذي نملك رصيداً جيداً من كلمات اللطف والتهذب في التعامل. وبما أننا نعرف بأن لكل مقام مقالا، فمن الصواب أن نعي بأن لكل علاقة ما يناسبها من الألفاظ، وعلى سبيل المثال كلمة (لبيه) ما كان الناس يستخدمونها إلا لمن يستحق أن يلبى نداؤه بهذه الكلمة التي تعني بأني سأنفذ لك ما تريد كالوالدين أو العزيز الغالي جداً من الناس. هذه الكلمة ابتذلت اليوم وصارت شائعة في المعاكسات، أو التعبير عن الاعجاب الشكلي العام بين الجنسين فقد تقال لأي جميلة أو جميل من خلف الشاشة فيقولون: يا لبيه أو يا لبى قلبك!! ففقدت الكلمة نكهتها وأثرها وبلغت درجة متدنية في القيمة بسبب هذا الاستهلاك الزائد لها. والغريب أن البارز في ميادين العمل التي تتطلب التعامل مع الجمهور بشكل مستمر نوعان من الموظفين: نوع يبالغ في الحفاوة كما أشرت في الأعلى. أو يبالغ في الجفاف واظهار اللامبالاة بالعميل فتجدهم خير من يمثل البيروقراطية في دائرتهم فلا يؤثر فيهم أي توضيح أو التماس للتعامل الخاص أو عدم مناسبة نظام العمل لديه بالحالة الخاصة التي تستجد أمامه فلا يستطيع أن يحسن التصرف أو يتصرف بطريقة ايجابية لا تتعارض مع النظام الذي يبدو حريصاً عليه لدرجة أنه يتملكه فتراه لا يختلف كثيراً عن جهاز الرد الآلي الذي تضعه دائرته لإنجاز بعض المهام المحددة فيظل هذا الشخص يعيد عليك ما تكون قد سمعته من جهاز الرد الآلي لدرجة تشعرك بالأسى تجاهه! هذه الفروق الدقيقة في التعامل اللفظي بين الموظف والعميل يبدو أنها مهملة كثيراً في التدريب العملي لهم أو بالأحرى متجاهلة تماماً مع أنها هي الرابط الأول بيننا وبينهم وتحتاج إلى تقويم..
المزيد من المقالات