نظريا ارتبط الحديث عن الحب بالشعراء وقصص الروايات أو على الأقل شعرنا به نظريا من خلالها.. عدا ذلك فإن قضية الحب ليست مجال نقاش في المقالات الصحفية ولا البرامج التلفزيونية المحلية، ولا أملك تفسيرا أو مبررا واضحا يمكن فهمه لهذا الغياب، فسقف حرية الإعلام وجرأته وصل لاهتمامات عدة بلغ النقاش فيها حول مشاكل البشر في العلاقات الحميمة..
والمفارقة أننا نتحدث عن الكراهية بنهم بل ونفرط في تحليلها وتفنيد الآثار التي تخلفها، على اعتبار أن الكره نتيجة لكثير من المشكلات التي يتوجب علاجها، بينما الحب الذي ينعش القلوب ويهذب النفوس ولا يترك مجالا للكره ويمثل أحد أركان سعادة الإنسان لا نتحدث عنه كثيرا، وأقصد هنا بالتحديد الحب الوجداني الذي تترادف معانيه بين الشغف والهيام، فهو أيضا يشكل أحد أهم مشاكل البشر النفسية والاجتماعية ولا تقل قضيته أهمية عن موضوع الكره الذي يتم تدويله بالبحث والمداولة بشكل مباشر، فهو قضية الأزواج والعزاب والأسر، باختصار هو قضية «الإنسان» فوجوده أو انتفاؤه في حياة الفرد يهيكل مسار عيشه ودوافعه ونظرته واحساسه تجاه الحياة.. حتى الآن لم يخرج لنا تحليل نفسي واجتماعي بسيط يفهمنا كينونته، ونحن لا نريد أن نشعر بأننا نجهله أو لا نحسن الكتابة عنه في الوقت الذي طالت فيه نقاشاتنا الجدلية توافه الأمور وعظامها. نريد فهمه بالفكر والتأمل وليس من خلال الشعر والروايات.. عموما من واقع قصص الحب التي سمعتها من أصحابها مباشرة سواء ممن هم منتعشون به أو أولئك الذين انفطرت قلوبهم منه، حاولت أن أقترب من فهم فيزياء الحب معكم وتشريحه بهدف محاولة فهمه قليلا ومعرفة بعض القواعد التي تحكم قضيته وذلك بهدف التقليل من مضاعفاته الخطيرة في حالة المرض به والاستفادة بنعمته التي لا تقدر بثمن في حالة العافية به..
أولى المسلمات المتعلقة بهذه القضية أن الحب له درجات، وعندما يدخل العاشق تجربة الهيام لا يعلم مسبقا أهو في درجات السعادة سيتقلب أم في دركات الالم سينحدر..
علينا أن ندرك جيدا أن مدينة الحب منطقة جميلة لكنها خطيرة جدا، منطقة محاطة بسياج ملغم لا يتخطاه إلا فئة معينة تمتلك مقومات شخصية ونفسية واجتماعية معينة، فأصحاب القلوب الضعيفة الذين لا يمتلكون قراراتهم ومشورتهم الشخصية لا يستطيعون تجاوز هذا السياج وهم يضرون بأنفسهم عندما يحاولون ذلك، فهم يحترقون في إحدى نيران الحب الصغيرة المشتعلة في جنبات ذلك العالم، يحترقون كما يحترق الفراش المتطاير حول النار.. اعرف دائما مقاس حريتك وحدودك الاجتماعية جيدا ولا تحاول أن تتخطاها، فالحب الذي لا يفضي بك إلى استقرار وأمان وثقة وقرار جريء يربطك بميثاق مغلظ مع من تحب هو إحدى درجات العذاب والعبث.. لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الحب لكنه يملك أن لا يتمادى فيه.. احذر؛ فالتمادي فيه بلا هدف يضعك في منطقة (اللارجوع) وهي منطقة خطرة لا يخرج منها أحد سالما من آهات وكدمات قلبية مؤلمة، لا تذهبوا لتلك المنطقة فالذين خرجوا منها عادوا خزايا وملعونين يلعنهم الحب والناس.. هنيئا لمن توسطوا جنة الحب بخطى جريئة وقلوب قوية، أجزم بأنهم يتذوقون كل تفاصيل الحياة بطعم وذائقة لذيذة.. انهم يعيشون نعيما قبل نعيم الآخرة.