الضربة تختلف عن (الصفعة).. نسمع عن المضاربة.. خاصة في المدارس.. غالبا يأتي الضرب من القوي المتسلط.. سلوك عدواني.. يراه (المتعنترون) رجولة ومرجلة.. هناك من يتعرض إلى الضربة.. في طريقه إلى عمله.. جالسا خلف مقود سيارته.. شاهدت أحدهم في مدخل أحد المستشفيات.. كان يتوجع ويئن.. مطروحا على نقالة خالية من الروح.. اقتربت.. سلّمت.. سمحت لنفسي بسؤاله عن وجعه.. قال: (أكلت مطب) بالسيارة وتأثر ظهري.
ضربة (المطب) لم تقصُم ظهره.. لكنها أوجعت.. في هذا الشأن تقول العرب: (الضربة التي لا تقصُم الظهر تقويه).. ضربة أخونا هذا لن تقوي ظهره.. الضربة المقصودة في المثل تخرج عن مسرحية (المطبّات) في الشوارع.. أو عدوانية البعض باليد.. المثل اختراع عربي يقصد ضربة التجربة.. إذا وجد الفرد نفسه في مثل هذا (المطب).. لا يجد غير الدعاء على من كان السبب.. مع الدعاء تتفشى دمامل التساؤلات.
لا أدري هل تعرضتم لمثل ذلك (المطب).. نفض ظهر برئ؟! (المطب) أشبه بجديلة شعر أسود لصبيّة غجرية.. جديلة ممتدة بطول عرض الشارع.. نتوء يمثل قسوة، وعدوانية، وقلة ذوق.. لمواجهة قسوة متهور، عدواني، قليل ذوق.. التقت الأوصاف فكان صنع (المطب).. عنوانه: صيد بريء.. نتوء همجي نافر، بسماكة وارتفاع عن سطح الشارع.. وظيفته التربص بالسيارات وركّابها.. (المطبّات) مماحكة العاجزين، وحيلة المتقاعسين.. (المطبّات) إعلان بالهزيمة أمام سلوكيات السائقين العدوانية.. ضربات هزائم حرب الشوارع ضريبة يدفعها الأبرياء.
الشوارع موسوعة لأنواع الضربات: حفر.. حفريات.. مطبّات.. مطويّات اسفلت.. تصادم.. نفض جيوب.. دهس.. توتر.. شوارع تعاني نقص الإتقان والاهتمام.. شوارع توضح حقيقة كل مواطن.. تفضح التشدق بالجودة.. فوضى.. سوء تنفيذ ومتابعة.. في النّهاية، وكما يقولون: (استجلدنا).. هل هناك شارع خال من العيوب؟!.. يا لحظ صاحب الكلمات وهو يردد: (مرني عند الغروب.. ظبي خالي من العيوب).. نعرف لمن تتبع الشوارع.. لكن لا نعرف من المسؤول عن سوء تنفيذها.. وعن غياب جودة الفرد.. هذه أكبر ضربة تتلقاها المسؤولية.
مثال آخر على الضربة، يزيد من أوجاع التساؤلات.. شاب عمل في ورشة إصلاح سيّارات.. تم عرض الوصايا على حضرته.. لا تشعل عود الكبريت.. لا ولّاعة بالقرب من (البنزين).. أعلن العقل الطري فهمه للرسالة.. حضرت الغفلة.. فتحت باب حب الاستطلاع.. خرج الشاب من عقله للتأكد مما سمع.. فجأة التهبت الورشة.. شاب آخر لم يتعلم من التحذيرات.. وجد دمه يتدفق حوله.. بُترت بعض أصابع يده بشفرات مكينة تعمل بدون إحساس ومشاعر.
هناك من يتلقى الضّربة تحت الحزام.. آخرون من فوقه وحوله.. (المتعنترون) لا يعلمون من أين تأتي الضّربة.. لكنهم يسمعون صوت قدومها.. عندما تأتي الضّربة من الفرد لنفسه، فتلك خارج حسابات (نيوتن).. وصمت (أبو الهول).. ونظريات (انشتاين).. لكنها في نظريات العرب تعني فحولة (المرجلة) و(الاقدام).. معالم لمسرحيات (المغاوير العرب) بعنوان: (ضربني وبكى.. سبقني واشتكى).. فرع من فروع هندسة (الدلاخة) العربية المتفشية.
عندما تعرف مسبقا النتائج السيئة لفعلك.. فهذا يعني أنك ترى التهور رجولة؟! التهور طريق الجهل بأهميّة الحياة.. في القرآن الكريم نعرف الآية التحذيريّة.. لكن الانشغال بالضرب يؤثر على الفهم.. تقول الآية: [وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]َ (البقرة:195).. التّهلكة ثمرة التّهور.. وفقد الحياة ثمرة التّهلكة.. عندها تقول العرب: (مات فطيسة).
تطال الضّربات كل شيء في الحياة.. المجتمعات تتعرض للضّربات.. أيضا الأمم، الدول، البحار، الشجر والمدر.. وحتى الطيور.. المياه الجوفية في أعماق الأرض تتعرض لضربة.. نخرق الأرض إلى أن نجد هذه المياه.. نستنزفها.. نضرب بها عرض الحائط الصحراوي.. هذه الضّربة موجعة حتى للذين لم يولدوا بعد.
هناك أيضا ضربات محيّرة ليس لها تفسير.. أن يكون هناك أمريكي عربي.. فهذه ضربة لقوى العقل الحنطي.. كيف أصبح أمريكيا وهو عربي؟!.. هل هي الضّربة؟! هل نقلته ضربة إلى أمريكا؟! البعض يذهب للبحث عن ضربة حظ لا تأتي.
الضّربة الأقسى تتشكل عندما تكون الإمكانيات متوفرة، وتجد الشباب يعاني.. هذه حالة ضربة المصيبة.. خبر يوضّح أن (93) في المائة من الشباب يرون في (الإيجار) سببا لتأخر سن زواجهم.. جيل بأكملة يتعرض لضربة (الصّمخ).. يسمعون صوته ويتجاهلون.. يقتلون القتيل ويمشون في جنازته.. هذه الحالة ترسم خرائط مقولة: يا ليل ما أطولك.. هل هي الإنذار الأخير قبل وقوع الضّربة القاضية؟! ليش لا.