إيران وصناعة العملاء
لا أتذكر تماماً من هو القائد التاريخي الأوروبي الذي أسس مقولة حول العملاء والجواسيس، مفادها أنهم قوم جديرون بالاحتقار والازدراء، مرتين وذلك لأنهم باعوا أوطانهم في المرة الأولى، وسيبيعون من يعملون جواسيس لحسابهم في المرة الثانية. جمهورية إيران وخلال العقود الأربعة الماضية مارست صناعة لا أخلاقية في دول العالم الثالث بشكل عام، وفي المنطقة العربية بطريقة أكثر تركيزاً هي صناعة العملاء، وفي البدايات كانت أعمال التبعية للغريب والعمل لحسابه من المحرمات أخلاقيا في العالم العربي؛ لأنها ببساطة تتعارض مع أبسط مقومات العزة والوطنية، وفي العقود المتأخرة أصبحت عملية إعلان الولاء والتبعية للنظام القائم في إيران من أبجديات بعض الأحزاب والتكتلات المليشاوية العربية، ولم تعد عوامل الكرامة والنخوة ومقتضيات الشهامة العربية تشكل أي رادع. ومن أراد التيقن مما أقول فعليه العودة للتسجيلات المنتشرة على الشبكة العنكبوتية لما يسمى بأمين عام حزب الله في لبنان، والذي يعلن أنه يدين بالولاء لإيران وقياداتها السياسية والدينية وأكثر من ذلك أنه يتقرب إلى ربه بذلك الولاء، ويسعى جاهدا إلى نشره وتعميمه على اتساع الأرض العربية. وهذا المثال ليس الوحيد ولا أظنه بالأخير في عالمنا العربي المعاصر يؤكد ذلك التحركات الحوثية في جنوب الجزيرة العربية، التي تسعى إلى اختطاف الشرعية في البلاد اليمنية، علاوة على تهديد أمن الإقليم ودوله، عبر ما ترفعه من شعارات بائسة ودعاوى متهالكة، تؤكد أن هذه الأجسام المشبوهة هي صناعة رديئة للعملاء والمتاجرين بكل شيء. الدرس الذي يغيب عن أذهان وأفهام العملاء في غمرة الدعم والمساندة الخارجية هو أنهم يوما سيكونون بضاعة غير مرغوبة وزائدة عن حاجة السيد، الذي يحقق أطماعه عبر إحراق الدمى في ميدان السياسة الإقليمية. ومن الغريب أن السلوك السياسي الإيراني واحد ويكرر نفسه في كل مناسبة، إلا أن الأدوات التي تستخدم ضد الأوطان وضد أبناء الجلدة الواحدة لا تتعلم الدرس إلا متأخرا، وبعد فوات الأوان. قناة العالم الإيرانية إحدى الأذرع التي استخدمتها طهران؛ لصناعة وتغذية العملاء من مراسلين وكتاب وصحفيين، وحتى معارضين سياسيين كما يسمون أنفسهم، ودأبت ماكينة الصناعة البشعة في إيران على رسم حدود عامة لكل من تبارك صناعته، أول هذه الحدود العداء لبلد الهدف الأصلي سواء كان الهدف "العميل" من السعوديين أو بحرينيا أو لبنانياً أو تونسيا، ثاني وأهم حدود التحرك للعملاء الإيرانيين إضمار الكراهية للمملكة العربية السعودية وقيادتها السياسية ورموزها الدينية ومناهضة سيادتها وخدمتها التاريخية للمقدسات الإسلامية. والسعي للتقليل من شأن ما تقوم به هذه البلاد لخدمة الإسلام ورعاية شؤون المسلمين في العالم، بأي صورة كانت. وأرجو ألا يستغرب القراء الكرام، إذا قلت وبكل جدية إن كل هذه العوامل تجسدت أمامي يوما ما، حيث أتذكر في أواخر العام ٢٠١٠م ومع إرهاصات ما سمي بثورات الربيع العربي، أن قوات العقيد القذافي اعتقلت صحافيا من جنسية عربية، في الوقت الذي يحمل فيه جنسية بلد غير عربي، اعتقل الرجل لمدة تقترب من الشهرين وربما عُذب وتعرض لبعض المتاعب الصحية، المفيد أنه أُخْرِجَ من ليبيا قبل أن تسوء الأحوال هناك، الرجل كان يعمل مراسلا لقناة العالم الإيرانية، لذا توجه للسفارة الإيرانية في تونس، وطالب بتعويض عن الأضرار التي لحقت به، فعرضوا عليه بطاقة إركاب طيران إلى طهران وقضاء بعض الوقت هناك مع من يرغب، فاصطحب والديه نظرا لأن زوجته وابنتيه يعيشون في المهجر، وعرفت من مصادر أخرى أنهم استضافوه في فندق متواضع وقدموا له بعض الهدايا الرمزية وأعادوه إلى بلاده، كرسالة بأنه لم يعد صالحاً للعمل، وإلى هنا انتهى دوره. في العاصمة التونسية طلب الرجل وبإلحاح شديد اللقاء بممثلي الدبلوماسية السعودية؛ ليبلغهم رسالة إلى المسئولين السعوديين، فحواها أن الجانب الإيراني استقطبه للعمل وبوضوح للنيل من المملكة وسياستها ومواقفها، ولما أصبح ذلك المراسل البائس شبه مقعد عن العمل طلب أن تفتح له الأبواب؛ ليكشف حقيقة إيران التي تتاجر بالإسلام كما قال. إلى هنا يجب أن أسدل الستار على قصة ذلك المخلوق الذي ربما فقد عقله. وأُؤكد أن المملكة العربية السعودية في مواجهة مثل هذه السلوكيات الإيرانية، تربأ بنفسها وتاريخها وإسلامها من النزول إلى مستوى هذه الصناعة الوضيعة. وأنها وبكل فخر تترك هذا الميدان والتنافس فيه واللعب حوله لإيران. في الوقت الذي تشاهد المملكة العربية السعودية الصورة كاملة من بعيد، بكل حذر وحيطة، متخذة قول الله -تعالى-: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ* وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».* مستشار وباحث في الشأن الدولي