كلمة اليوم

المملكة.. وآسيا الوسطى

لم تسارع المملكة فور انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي عام 1990 م للدخول في شراكات اقتصادية وتنموية مع دول آسيا الوسطى، وفي طليعتها أذربيجان؛ أولا لاحتدام الصراعات في ذلك الإقليم، ثم تفاديا لأي حسابات سياسية اقليمية خاطئة، تريد أن تستفيد من الوضع القائم في تلك الجمهوريات الإسلامية، رغم أنها في مجملها تقريبا تحتفظ للمملكة بمكانة خاصة جهة مواقفها الإنسانية الداعمة لها، ورغم أنها تشكل رافدا استثماريا حيويا للسوق السعودي.وربما كانت المملكة بهذا التريث تراعي الحساسيات الاقليمية، وخشية بعض الأطراف من أن انفتاحها على هذا الإقليم الحيوي قد يشكل التفافا عليها وعلى مصالحها، ولم يبدأ التوجه السعودي إلى هذه المنطقة إلا قبل عامين فقط عندما التقى الملك عبدالله بن عبدالعزيز- رحمه الله- بالرئيس القرغيزي، في سياق بحث المملكة عن شراكات اقتصادية قريبة، وفي محور اقليمي لا يبعد كثيرا عن الإطار الجغرافي الذي يوفر سرعة حركة التبادل التجاري بينها وبين تلك البلدان التي تتوفر على ثروات مهمة، ولديها أسواق واعدة، ولعل زيارة الرئيس الأذري للمملكة مؤخرا ولقاءه بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعدد من المسؤولين السعوديين يصب في هذا الإطار الذي يستهدف دعم الاقتصاد الوطني، وفتح أسواق جديدة ومهمة أمامه من خلال اتفاقيات تجارية واقتصادية، لا بد وأن يعود أثرها على اقتصاد البلدين، ومنطقة آسيا الوسطى برمتها.وتأتي أهمية هذه الزيارة في هذا الوقت بالذات، في الوقت الذي تخوض فيه المملكة إلى جانب دول التحالف حربا فرضت عليها بالوكالة، وبعد استغاثة الشرعية في اليمن الشقيق، والشعب اليمني بالمملكة والأمة للفكاك من ميليشيات الحوثيين التي اختطفت اليمن، واستبدت بالسلطة فيه، بعد أن تمددت، وتحولت من مكون سياسي، إلى فصيل إرهابي يأتمر بأوامر قوى خارجية، تريد أن تضيف اليمن إلى قائمة محاور النزاعات الأهلية والطائفية التي زرعتها تلك القوى في العراق، وفي سوريا، وفي لبنان لأجندات خاصة، حيث أكدت هذه الزيارة على احترام الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى لموقف المملكة، وحرصها على فتح كل القنوات معها، كتأييد لصوابية موقفها العادل، وكاعتراف بأهمية دورها في السلم الإقليمي والعالمي، كإحدى أهم الدول المحبة للسلام، والداعية إلى التعايش بين دول الإقليم والعالم، عبر الالتفات إلى المشتركات التنموية بين تلك الدول، والابتعاد عن أدلجة العلاقات، أو اضرام نيران الخلافات والنزاعات والحروب في أوساطها، وإدخال المنطقة برمتها في أجواء مشحونة، لن تفضي إلا للخراب، وإعاقة مسيرة التنمية لتلك الشعوب التي هي أحوج ما تكون لبناء اقتصاداتها، وأخذ المكانة التي تليق بها بين شعوب العالم.إن زيارة فخامة الرئيس الأذري للمملكة، وبما تحمله من أبعاد مختلفة، تقدم الدليل الذي لا يقبل الجدل على كيفية رؤية كافة دول العالم الإسلامي للدور السعودي، الذي طالما سعى لمراعاة حساسيات البعض، رغبة في تطمين الجميع إلى أن سياسة المملكة لم تقم يوما على مبدأ المحاور والاصطفافات، وإنما بُنيت على رعاية المصالح، وعلى رفع كفاءة الاقتصاد في البلدان الإسلامية دون استثناء لمصالح الشعوب، بخلاف ما تفعله تلك القوى التي ربما سخرت قوت شعوبها في امتدادات عابثة، لا غاية لها سوى النيل من الاستقرار، ومن ثم الظهور بمظهر القوة العظمى التي تنفرد بالكلمة الأولى والأخيرة في الاقليم، وهو الوهم الذي تبدى من نشوة استغلال ما سمي بالربيع العربي، ودخولها على خط تلك الثورات، مما أدخل الإقليم إلى هذا المستوى الدامي، الذي تسعى المملكة، وكل القوى الخيرة للعمل على قطع دابر أسبابه.