د. محمد الغامدي

سلاح «الهجاء»

أرجو أن العقلاء متفقون على أن البذاءة ونابي القول لن ينصرا حقا، ولن يَرُدُّا باطلا. يمكن أن يَشْتِمَ الأبعد من شاء دون أن يغير من حقيقته شيئا. إنّ هذا الأصل لا يتعارض مع الاحتياج لتسمية الأشياء بمسمياتها (خاصة في توصيف الحقوق وضبطها وما قاربه)، فمَن يستولي على مال بلغ النصاب من حِرْزِ مِثله يوصف بأنه سارق، وتجري عليه أحكام السرقة، ولا يُعدُّ ذلك ضربا مِن الشتم أو مقذع القول، بل هو وصف مستحق لتحقق الشروط وانتفاء الموانع. وإنما استطردتُ بذكر هذا المثال حتى لا يعترض أحد بوجود أوصاف شرعية تصل إلى الحُكم بالكفر والفسق. هذا شيء وسيئ الخُلُق شيء آخر.صحفي شهير تسنم المسؤولية في عدة صحف ينعتُ مفكرا وناشطا باسم احدى المعدات (إي والله!) لمجرد أن طرحه لا يروق له، وآخر يُنسب لشيء من فضل وعلم هُجّيْرَاه الطعن ووصف مَن يروق له بأنواع الكنايات السيئة. فإذا كان هذا سارٍ في نسبة مُلفتة من النُخبة (كما يحبون أن يوصفوا) باختلاف مناهجهم؛ فلن تجد كبير عناء لتعرف سبب حفلات الشتائم والتخوين واحتكار فهم الشرع دون العلماء، والمزايدة على الوطنية دون سائر المواطنين...إلخ مما نلحظه في وسائل التواصل الاجتماعي.إن النبي عندما بُعِث كان من أوضح دوافع اتباعه، وتمييز شخصيته أنّه كان دائم اللزوم لأنبل وأرفع الأخلاق جِبِلّة لازمته صغيرا وكبيرا، في الرغبة والرهبة، قبل البعثة وبعدها، مع المُخالف والموافق وكل سيرته وشمائله تعبق بأريج الخُلُق البالغ أسمى المراتب.وحتى في كُتُب الأنبياء السابقين جاءت أوصافه الشريفة تدور على الأخلاق في أغلبها لتكشف للذين أوتوا الكتاب مِن قبله أنه هو النبي الخاتم، وهو أفضل المُرسلين.أيُقبَلُ بعد هذا ممن يشهد شهادة التوحيد، ويجعل قائده ومِثاله رسول رب العالمين أن يعتبر الأخلاق في التعامل مع الناس شيئا هامشيا، أو فرعا من المستحبات لا صِلة له بأصل دينه، وصُلب عقيدته؟!إن العقيدة كاشفة عن الأخلاق غالبا، والعكس صحيح. ولذا ترى أن الدواعش والحوثيين ودُعاة الفتنة الذين يطعنون في بعض العلماء أو ولاة الأمر عندهم من سوء الخُلُق مع الرضا به والتتابع عليه بقدر ما عندهم من انحراف المعتقد.