قصص قابلة للإعادة
كنا نتسوق حين بادرتني صديقتي، وهي تنظر إلى الأسماك التي كانت تفوح رائحتها قائلة: هل سمعت قط بالبحريني الذي استغل كره البحرينيين لأكل «القبقب» ولأنه كان يعرف بحب الأجانب له بل إنهم مستعدون لدفع أي ثمن للحصول عليه، فكان يأخذه من البحّارة ليبيعه على الأجانب طبعاً بمبلغ كبير، فسألتها: وهل كان يدفع عنه أموالا فهو على كل الأحوال سيُرمى؟ فبادرتني بحماس، وإن يكن فهو سيدفع مبلغا رمزيا مقابل جني آلاف الدنانير، ليس هذا فحسب -والكلام لصديقتي- بل قد توسعت تجارته وأصبح وكيل «القباقب» في الغرب هل تتصورين ذلك؟ ضحكت حينها وأنا أغبطه على هذه الفرصة. وكيل عربي لتجارة في الغرب!! وإن تكن التجارة هي «القباقب»، فقد نجح مستغلا ثغرة للبحارة الذين لم يفكروا في الترويج لمنتوجاتهم. هي فرصة، فكم من الفرص تسربت بسبب فرط الاهمال والكسل أو التهاون الشديد، فعلى سبيل المثال اليوم لا يزال البحار يبيع بضاعته للجزاف فهو يجني أقل مما يجنيه الأخير الذي يمارس مهنته بجشع، الجزاف اليوم يعمد إلى تنظيف السمك ووفقاً لذلك يبيعه بمبلغ مضاعف مرتين أو حتى ثلاث عما اشتراه، فقط لأنه ينظفه، بينما في الغرب تصل أسعار التونة إلى مبالغ كبيرة، بينما هذا النوع من السمك (الكنعد) كان لا يفضل كثيراً في الأكل أمام أسماك أخرى فكانت تعمد جداتنا وأمهاتنا إلى تجفيفه وتمليحه ليكون صالحاً للأكل في الشتاء لأنه أقل الأسماك قبولاً وفي الشتاء يتوقف البحارة عن دخول البحر فيكون ذلك البديل، وكذلك أسماك السردين (العوم) التي هي من الأسماك المكروهة في الأكل بالخليج، اليوم هذه الأسماك ترتفع أسعارها ليس لأنها كما يشاع من فوائدها بل لسببين: الأول، حسن تصنيعها وتعليبها والثاني بفضل الدعاية الكبيرة لها حتى باتت علب التونة لا يخلو منها بيت بالخليج للاعتقاد بأن بها قيمة غذائية كبيرة للذين يحافظون على أجسامهم، على الرغم من أن هناك أنواعا من السمك المتوفر في بحر الخليج أكثر صحة وألذ طعماً لو يتم تعليبه بطريقة جيدة وعمل دعاية له لكان عالمياً. هي فرص للنجاح تحتاج إلى استخدام العقل وليس إلى الجشع على الاطلاق وهنا استعين بمقولة لرجل الأعمال المرموق سليمان الراجحي الذي يقول «إن رأس الانسان هو الحاسوب، إذا ما استخدمه في التفكير الجاد واجتهد بالعمل، فقنوات العمل مفتوحة أمام الجميع تنتظر دخولها»، فهذا الانسان العصامي عمل في تحويل العملات بموسم الحج، وحين أتته الفرصة أنشأ أكبر مصرف اسلامي بالمنطقة وهو مصرف الراجحي، وفي البحرين هناك رجل الاعمال المرحوم الحاج حسن العالي الذي عمل سائق شاحنة ثقيلة ليتحول بعدها لإدارة أكبر شركة مقاولات في البلد، ليس بالعلم فكلاهما لا يملك شهادة، ولكن بالاجتهاد بالعمل والقدرة على التفكير واستغلال الفرص.