الوزيرة السويدية وتسييس حقوق الإنسان
القضية التي افتعلتها وزيرة الخارجية السويدية فيما زعمت أنه يتصل بقضايا حقوق الإنسان، ورد المملكة في بيان المصدر المسؤول في وزارة الخارجية، كان كفيلا بإغلاق هذا الملف لو كانت نوايا الطرف الآخر سليمة وغير مبيتة لأمر ما. لا سيما وأن السويد هي إحدى الدول التي تصنف في إطار العالم المتحضر، الذي يعي تماما اختلاف الثقافات بين الأمم والشعوب، وبالتالي اختلاف المرجعيات التي تستند عليها أسقف الحريات، كعمق للسلم الاجتماعي، على اعتبار أن ما هو مباح في السويد وفقا لثقافة مجتمعاتها، لا يمكن أن يكون كذلك في البيئات الإسلامية التي تتكىء على ضوابط وقيم دينية، وسلسلة من أدبيات العادات والتقاليد التي تحكم المجتمع. فإذا كان هنالك في الغرب على سبيل المثال من يناقش قضايا المثليين كحق من حقوق الإنسان، وهذا مجرد مثال، فإن مجتمعا محافظا دستوره القرآن الكريم والسنة المطهرة، لا يمكن بحال أن يقبل مناقشة مثل هذا الشذوذ على أنه حق إنساني، والأمر ذاته ينسحب على عديد القضايا التي لا تتجانس فيها ثقافات الشعوب. وقد احترمت المملكة هذا الحق في الاختلاف، ولم يسجل التاريخ على الإطلاق أنها تدخلت لا في أحكام القضاء السويدي، ولا غيره من الأنظمة القضائية في مختلف دول العالم، رغم رفضها شرعا ودينا وقيما وأخلاقا لبعض تلك القوائم المبتذلة التي يتم مناقشتها على أنها حقوق إنسان. غير أن تصعيد الوزيرة السويدية للقضية، وتدخلها السافر والفج في حيثيات القضاء السعودي، ومحاولة النيل من عدالته باسم حقوق الإنسان، أجبر المملكة على اتخاذ موقف حازم وصارم؛ لأن الأمر لا يمس جانبا سياديا تكفله كل الشرائع والقوانين الدولية، وإنما أيضا يمس معتقدا يدين به ما يقارب نصف سكان العالم، وتمثل فيه المملكة رأس الهرم في المنظومة الإسلامية بحكم موقعيتها الدينية، وطبيعة دستورها، وهو ما لا يمكن أن تساوم عليه المملكة، مهما كانت تبعاته، حيث جاء الرد عبر مجلس الوزراء، الذي انعقد برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ ليرفض -بأشد العبارات- التدخل في القضاء السعودي، وما ارتضاه السعوديون لأنفسهم كمنهج حياة، انطلاقا من ثوابت عقيدة هذا المجتمع الراسخة، التي لن تتزحزح لمجرد التلويح بقضية حقوق الإنسان، والتي باتت للأسف في الآونة الأخيرة ورقة سياسية يتم العبث بها هنا وهناك، إما من أجل تحقيق مكاسب حزبية في اتجاه الاستهلاك الداخلي، أو حتى لأغراض مبيتة تسعى لمهاجمة المملكة؛ بهدف الضغط من أجل تمرير أمر ما يُراد له أن يمر. والوزيرة السويدية بهذا التصعيد يبدو أنها لم تدرك بعد كيف ينظر أبناء هذا الوطن -حكومة وشعبا- لمثل هذا التدخل الفج والمرفوض على اعتبار أنه انتقاص لمرجعيتهم، واعتداء على منظومة قيمهم التي يعتزون بها، وقد كفلها لهم دينهم الذي ارتضاه الله لهم، والذي كان هو أول من شرّع لحقوق الإنسان بمنتهى العدالة على وجه هذه الأرض . لذلك فإن المملكة بهذا الموقف الحازم لا تذود للدفاع عن سيادتها وحسب، وإنما هي تحمي قولا وعملا حقوق الإنسان عامة، والإنسان المسلم بخاصة من التطاول على ثوابته أيا كانت الذريعة التي يتم بها ذلك التدخل، ولتبعث برسالة قاطعة بألا مساومة على قضاء يستمد منهجه من القرآن والسنة، لتقطع الطريق تماما على كل من يريد أن يمتطي هذه الحقوق وصولا إلى ضفة مشبوهة.