كلمة اليوم

الرياض.. ومواجهة التحديات بإعادة صياغة العمل العربي

تعي الرياض تماما أن وحدة الصف العربي هي المتراس الوحيد للتصدي للمخاطر التي تحيط بالأمة، وتدرك أن كل ما يحدث الآن من اختراقات في أمن المنظومة العربية مردّه إلى حالة الفرقة والتباعد والسماح للآخرين بالتغلغل في مسامات الجسد العربي والعبث به، وتؤمن بالنتيجة أن أي عمل خارج إعادة اللحمة للصف العربي وتجاوز خلافاته، سيكون مجرد عمل بلا روح وبلا هوية، لأنه يتحرك بعيدا عن العلة الأصلية التي ولّدتْ هذا الواقع، وسمحت بالتالي لقوى التطرف والإرهاب الدولي لاستغلال الفراغ لتملأه بهذه المشاهد الدامية في محاولة لفرض نفسها كقوى أمر واقع لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند أي تسوية. وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز- حفظه الله-، وهو رجل الدولة الذي عايش وتفاعل مع كل مفاصل العمل العربي منذ عقود طويلة، وقرأ تجاربه كلها بكثير من الوعي وبعيون رجل التاريخ الذي يستطيع أن يستنبط من الوقائع شكل مآلاتها وما ستفضي إليه، يعرف بخبراته الواسعة أن المسار الوحيد المؤهل لإخراج المنطقة من حال الاصطفاف، وحال الإرباك، وحال التشرذم، هو مسار إعادة تثبيت الصف، وتوحيد رؤيته للأحداث بحجمها الطبيعي، وبما يُتيح تكوين رؤية إستراتيجية تأخذ هذه المنطقة من حالة التمزق إلى حالة الالتفاف والوحدة وفقا للقواسم والمصالح المشتركة، ولأنه رجل دولة، وزعيم نافذ البصيرة يرى بعمق تلك الآفاق البعيدة فقد بدأ في جمع الصف الخليجي وترتيب أولوياته على اعتبار أن توحيد الرؤية الخليجية ستكون المنصة الأكفأ لبناء أي مبادرة قادرة على احتواء أزمات الأمة، أولا بحكم استقرار منظومة التعاون الخليجي، وقدرتها وقدرة قادتها وشعوبها على تجاوز كل العوائق، وصولا إلى الغايات الرئيسة التي تؤسس لقاعدة عربية موحدة تعمل بمنطق العمل الجماعي المشترك الذي يصون وحدة الأمة، ويجنبها أوزار الانحراف عن الخط، ومن ثم الوقوع في أيدي المتربصين والحاقدين والساعين للنيل منها كقوة فاعلة في واحد من أهم أقاليم الكرة الأرضية، وأشدها تأثيرا في اقتصاديات العالم، لذلك بات من الواضح كيف تتحرك الدبلوماسية السعودية من خلال تلك اللقاءات التشاورية المتتابعة التي تستقرئ الأحداث بشكل هادئ، وتعمل بالتالي على مطابقة وجهات النظر للانطلاق اطرادا للفضاء الأوسع الذي يشمل كافة الأقطار العربية في خطوات واثقة تتفاعل مع القضايا بكثير من التعقل، وبعيدا عن المزايدات للخروج برؤية مشتركة، تجعل قطار العمل العربي يجد أمامه سكة واحدة ومؤهلة لأخذه بأمان إلى المستقبل الذي تنشده كافة الشعوب العربية، خاصة بعدما تأكد للجميع بعد تلك الخضات المفزعة التي نجمت عمّا سُمي بالربيع العربي، أن أي بديل عن وحدة الصف إنما هو بديل هلامي لا مكان له من الإعراب، وأنه لن يزيد على أن يكون بمثابة مسكنات وقتية لن تجدي نفعا في إخماد تلك النيران التي تختفي تحت رماد الثورات، والتي حوّلت الأرض العربية أو بعض أجزائها على الأقل إلى ساحة مستباحة لقوى لا تملك إلا شعار إسالة الدماء، وزرع الضغائن والأحقاد في أي طريق تسلكه في أفيائها، في أضخم عملية لتأجيل الحلول أو تعطيلها، لتنشغل الأمة في مصابها اليومي عمّا يُفترض أن تعمل من أجله، وهو بناء مستقبلها ومستقبل أجيالها القادمة، من هنا بدت ملامح رسم الطريق تظهر واضحة للعيان، وهي تنطلق من لقاءات الرياض المتواصلة مع بعض القيادات الخليجية والعربية، لتؤسس بكل مستلزمات الوعي والبصيرة لقاعدة وأسلوب عمل يجمع شتات الأمة، ويُوحّد صفها استعدادا لانطلاق العمل العربي المشترك، والذي سيؤسس بدوره وكنتيجة حتمية لتمتين العمل الإسلامي المشترك أيضا باعتبار أن أركان المنظومة العربية هي ما سيحمل البنيان الإسلامي في النهاية، ويعطيه حاجته من الوقود للانطلاق على الساحة الدولية كقوة فاعلة كما ينبغي.