عبدالعزيز اليوسف

صديقي الحلاق!!

من النادر أن تمر في شارع ما ولا ترى محلا للحلاقة، أيا كان مستواه وسعته ونوعية عمالته. فتجارة الحلاقة أصبحت مهنة الكسب الأول عند البعض خصوصا في حالة تطريز وتزيين محله بكافة الديكورات المغرية، والصاخبة فلا تدخل إلا وتجد الأضواء المثيرة وتجد شاشات تعرض لك قنوات أوروبية بلا مبالاة، وأصوات الموسيقى، أو المسلسلات، أو تجد تلك الصوالين في مناخ هادئ، وخافت الأنوار.صوالين الحلاقة أصبحت حالة اجتماعية فصار الكثير من الرجال خصوصا فئات الشباب يرتادونها بشكل مكثف، وصارت تلك الصوالين مصدرا وملهما لآخر التقليعات، والموضات، والقصات العجيبة الغريبة، وصار بعض الحلاقين من جنسيات معينة يجدون أنفسهم متفوقين في الحلاقة ولا أحد غيرهم يجاريهم في فنونها..بل تبجح البعض إلى أن أصبح لا يحلق إلا بموعد مسبق فصار محل الحلاقة كعيادة طبيب. وليست القضية في تكاثر صوالين الحلاقة، أو تجاوزاتها الصحية حتى عند محاولة ضبطها صحيا ومدنيا إلا أن التلاعب موجود ويختفي داخل أدراج أدوات الحلاقة حيث تمتلئ تلك الأدراج بمختفيات لا يعلمها إلا الله.يلاحظ الكثير أن إقبال الشباب خصوصا من هم دون العشرين وفوقها بقليل إقبال كبير. وحين يذهب بعضنا إلى تلك الصوالين يجد غرائب ليس لها علاقة بالحلاقة، حيث تجد أن هؤلاء المراهقين وبعض أشباه الرجال تجدهم عقدوا صداقات عميقة مع الحلاقين، يتحدثون عن شؤونهم الخاصة والاجتماعية، ويحكون عن همومهم ومشكلاتهم وأحلامهم، ويتحدثون معهم أثناء الحلاقة أو خلال انتظار حلاق بعينه.لقد تحولت بعض صوالين الحلاقة إلى صوالين حوارات أكثرها حوارات تافهة تدور حول آخر المسلسلات، وتحليل المباريات، ورواية آخر المغامرات الشبابية، والعاطفية، والمشاهدات الفيلمية، بل تعدى الأمر إلى البوح بالأسرار والمكنونات الخاصة، والمجاهرة بالمغامرات والمعاكسات. والحلاق يسحب ما يستطيع سحبه من هذا الشاب، أو ذاك ويشجعه على فضح نفسه والتعريف بدقائق أموره في حياته وبيته وعلاقاته.بحضوري دخل أحد الشباب بعد أن أوقف سيارته الفارهة الغالية وأكّد موعده مع الحلاق المعلم نزير وقد يقصد نذير.. ونزير يسأله: سيارة حلوة إلك؟ ويجيب الشاب: نعم هذي لي «تو اشتراها الوالد» وكانت بـ «400» ألف لكن استفدت من واسطة ونزلوها لي لـ «360» ألف ريال، والمعلم يقول: واو شي حلو.. ويكمل عبارته لو بصرف راتب شهر ما قدرت استأجرها ولو يوما.. ولو اشتغلت هنا أربعين سنة ما حصلت قيمتها وبدا يحسب حساباته.. وصارت عيناه تتقلبان في الشاب والسيارة ونظرات التحسر ومشاعر الحزن على خيبة الحظ فهو حلاق يكد ويكدح متغربا.. وشاب لم يكد يتجاوز العشرين يملك سيارة تشتري له منزلا في بلاده وتعيّشه مرتاحا.مع جلّ تقديري، وكامل احترامي لكل مهنة ولكل عامل على أرض هذه البلاد إلا انه ليس من المقبول بتاتا أن يكون مثل هؤلاء الحلاقين أصدقاء نركن إليهم ونسامرهم ونشاركهم ونشركهم في حاجاتنا وهمومنا ومشكلاتنا.وليس من العقل أن تتعدى الأحاديث العابرة إلى ثرثرات تافهة وفضائح شخصية. وليس من الجميل أن يكون الحلاق هو سمير الشاب أو جليسه. فالحلاق عامل يعمل ليكسب قوته ولا يعتقد البعض أنه سيكن لك المودة والترحاب إذا دفعت له المال، بل إن تلك (السوالف) التي يشحذها الحلاق من الشاب هي عربون لتبيت زبونا دائما عنده..ختام القول: ليكنّ الشاب الاحترام وحسن التعامل مع حلاقه وليحسن الظن، ولكن لا تحكوا خصوصياتكم ولا تثرثروا كثيرا ولا تشركوا هؤلاء في شجونكم وتجعلوا منهم أصدقاء وأحبابا واستعينوا على أموركم وممتلكاتكم بالكتمان، فالقلوب تحمل والعيون تتقد.