د. إحسان بوحليقة

القرارات الملكية والسياسة والأمن والدفاع والتنمية والنمو

حسمت القرارات الملكية مبكراً الجدل حول كثرة الأجهزة والمجالس والهيئات المستقلة والمنبثقة عن مجلس الوزراء، وباعتبار أن السلطة التنفيذية يجسدها مجلس الوزراء، وعند النظر للأولويات التي تسعى الدولة للقيام بها، نجدها تتمحور حول الذود عن حمى الوطن والدفاع عن حياضه والحفاظ على أمنه والسلم الاجتماعي فيه، ومن جانب آخر فإن توفر الأمن أمرٌ حرج الأهمية لا شك، فهو شرط ضروري للاستقرار لكنه غير كافٍ بمفرده، فالتنمية الاجتماعية والنمو الاقتصاد أمران ضروريان كذلك.وللموازنة بين منع تشظي صلاحيات مجلس الوزراء من خلال المجالس والهيئات، والحفاظ على مركزية مجلس الوزراء باعتباره سنام السلطة التنفيذية، وبين التعمق في دراسة الوزراء المفوضين للقضايا المتخصصة بالتوازي، فقد عملت القرارات الملكية على تغيير ما هو قائم من منطلقين: إزالة أجهزة ثم إنشاء جهازين مرتبطين بمجلس الوزراء ومكونين من أعضاء فيه للقيام بمهام تحضيرية في ملفات متخصصة. ومن المؤمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة فاعلية المجلس واختصار زمن الإنجاز، وما سيؤدي لذلك هو أن صلاحيات الاعداد والتحضير ستمنح للتشكيلين المنبثقين عن المجلس، لكنهما لا يلبثان أن يعودا إليه لتمحص ما انتهيا إليه ثم إقرارهما، وبذلك فسيكون هناك من يجهز وهناك من يقرّ، وبذلك يتم تطبيق قانون "تقسيم العمل"، الذي يعزز الإنتاجية ويحترم الاختصاص.وعند التمعن يمكن القول إن التحديات الأساسية -فيما يبدو- قد أحصيت ثم قسمت، فالشأن السياسي والأمني يتطلب وجود "مجلس وزراء مصغر" مخول للانعقاد والنظر في أي مستجد أو طارئ في أي ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، ليس بأي صفةٍ سوى ارتباطه بمجلس الوزراء وامتلاكه تخويلاً وصلاحيةً للنظر في قضايا ضمن نطاق معين كالشؤون الخارجية والدفاع والأمن. وليس خافياً، أن العمل في السابق كان من خلال لجنةٍ عامةٍ منبثقةٍ عن مجلس الوزراء، وقد ألغيت عملياً، وحل محلها -كذلك عملياً- لجنتان متخصصتان تعملان بالتوازي، فعوضاً عن خط إنتاج واحد، أصبح لدينا خطين اثنين. ويجب ألا يفوت أن ثمة مزية مهمة إضافية، وهي العمل كفريق، بمعنى أن الوزير سيدٌ بوزارته لكنه غير متفرد في القرار، بل لا بد أن يعمل ضمن فريق، وهذا يجعل قنوات الجهاز التنفيذي (الوزارات) تعمل بانسجام فلا تنفرد بالقرار وتستأثر به.وليس محل جدل أن الشأن الاقتصادي والتنموي هو المطلب الأكثر تأثيراً لتحقيق الرفاه والتقدم والرضا، فالشأن السياسي والأمني يُجسد ضرورة من ضرورات استقرار المجتمع، أما الشأن الاقتصادي والنمو فنشطٌ بالاتجاهين، فهو ينتعش عند توفر الأمن والاستقرار، وهو كذلك يؤثر سلباً على الأمن في حال الركود الاقتصادي وانتشار البطالة والفقر وتفشي المرض، فيربك السلم الاجتماعي، ويتجسد ذلك بوجوه عدة، تبدأ بالجريمة الفردية وتتمدد لتصبح جريمة منظمة وتفشي الفساد.وهناك من يتأمل في بعض الأسئلة: مَنّ سيملأ الفراغ الذي تركته الأجهزة والمجاس والهيئات التي حُلّت؟ ولعل الإجابة الأقرب، أنها جميعاً كانت تستمد صلاحياتها من ارتباطها برئيس مجلس الوزراء، وبعد أن حُلّت سيعود "الفرع للأصل"، فليس ثمة فراغ حتى يملأ نتيجة لتلك التشكيلات. أما السؤال المفتوح، فهو ليس على مستوى السلطة التنفيذية ككل، إذ إن "جراحة" إعادة التمركز كانت دقيقة، بل هو على مستوى الوزارات التي دُمجت كالتعليم العالي والتربية والتعليم، أو تلك التي ألغت مجالس عليا تتصل بها مثل وزارة الخدمة المدنية، إذ إن الجميع يترقب كيف سيكون التوجه، فكيف ستدار الجامعات؟ وكيف ستمارس الإدارات التعليمية مهامها؟ وما الدور المرسوم للخدمة المدنية؟.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج