رواد الأعمال في المجتمعات الخليجية
استضافت المنامة الأسبوع الماضي المنتدى الدولي الأول لرواد الأعمال والاستثمار، والذي دعا في ختام أعماله إلى النظر في الشراكة مع القطاع الخاص؛ لتعزيز ريادة الأعمال وخلق الوظائف والاستثمار وزيادة إمكانيات الدخل وتطوير التقنيات الحديثة ونماذج الأعمال المبتكرة، وتمكين زيادة النمو الاقتصادي الشامل والمستدام والنمو الاقتصادي العادل، وفي الوقت ذاته الحفاظ على حقوق العاملين. كما دعا إلى اتخاذ المقاربة المتناسقة والشمولية لتعزيز ريادة الأعمال وإشراك المعنيين كافة، مع مراعاة مبادرات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص، باعتبارها المحركات لريادة الأعمال، وهي توصيات تعبر حقيقة عن الارتباط الوثيق بين تطور رواد الأعمال وتطور البنية المؤسساتية والاجتماعية في المجتمعات عامة.ووفقا لإحصائيات عالمية، فإنّ 90% من اقتصادات العالم هي مشاريع صغيرة وناشئة، وتستوعب المشاريع الصغيرة والناشئة بين 50-60% من القوى العاملة، وتساهم بنسب كبيرة في الناتج المحلي، فعلى سبيل المثال تساهم هذه المشاريع بنسبة ما بين 22- 28% في الناتج المحلي السعودي، وفي الولايات المتحدة تصل النسبة إلى 50%، وفي تايوان 56%، وفي الصين 60%، أمّا في هونغ كونغ فتصل النسبة إلى 70%.إن ريادة الأعمال ليست شيئا سهلا، حيث إن معظم الشركات الجديدة (غير المنظمة جيدا) تفشل. وتختلف أنشطة ريادة الأعمال باختلاف نوع النشاط الذي تتبعه هذه المنظمة الناشئة، وتتراوح ريادة الأعمال بين شركات فردية (غالبا ما يعمل فيها الرائد بمفرده بدوام جزئي) وتعهدات بتوفير فرص عمل جديدة.وفي دول مجلس التعاون الخليجي، نلاحظ أن الاهتمام برواد الأعمال لم يأخذ بعد الطابع المؤسساتي من حيث وجود استراتيجيات وبرامج وأجهزة متخصصة وميزانيات تعتني بالنهوض بهذا القطاع. والقضية البالغة الحيوية الأخرى، هي أن نمو وتطور قطاع رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مرتبط ارتباطا وثيقا بالمحافظة على الطبقة الوسطى التي تعتبر الحاضن الاجتماعي والاقتصادي لانطلاق مئات الآلاف من رواد الأعمال.وعند الحديث عن الطبقة الوسطى في دول المجلس، يلاحظ وجود مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر سلباً على دورها، وعلى حجمها، وربما تؤدي إلى تآكلها. من بين هذه العوامل، هشاشة ثرواتها حيث يتكون معظمها من الأسهم والعقارات، إلى جانب معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وكذلك تنامي احتياجات الطبقة الوسطى، حيث تغيرت أنماط الحاجة لدى هذه الطبقة عما كانت عليه قبل 40 عاماً، وبالتالي فالطبقة الوسطى صارت بحاجة إلى الحصول على دخل مرتفع نسبياً، في ظل معاناتها من ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على السكن والزواج. ويرى أن التضخم أفقد ثروات الأفراد نسبة مرتفعة من قيمتها مما جعلها تتآكل.وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الطبقة الوسطى غير محمية بوجود مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي فهي عرضة للتمدد والانكماش حسب إمكانات الدولة الريعية القادرة على ضخّ أموال وتوفير إمكانات.ويمكننا أن نتذكر هنا، وعلى سبيل المثال، ان الأرصدة المالية التي تكونت لدى الأفراد والعائلات في فترة الازدهار الاقتصادي طوال السنوات السبع السابقة للعام 2008 (ما قبل الأزمة العالمية) وفي جميع الدول الخليجية توجهت إلى قطاعات الاستثمارات في الأسهم والإنشاء والتعمير، وأحدثت دفعة قوية؛ وذلك ما أدّى إلى صعود قيمة الأسهم الإيجارات والأراضي بصورة مبالغ فيها، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والمواد؛ وقد أدى ذلك إلى بروز طبقة وسطى كبيرة تمتلك أصولا ضخمة في أسعارها بشكل كبير،إلا أن نشوب الأزمة المالية وانهيار أسعار الأسهم والعقارات أدى إلى تبخر جزء كبير ليس من تلك الثروات فحسب، بل ما تم بناؤه خلال ثلاثين سنة بشكل تراكمي، وأحدث فجوة كبيرة جديدة بين الطبقات الغنية والفقيرة نتيجة لهشاشة نموذج التنمية الاقتصادية ومراكمة الثروات. وقد تلاشى ذلك سريعا، بدليل أنّ المواطنين المحسوبين على الطبقة الوسطى لا يستطيعون شراء أرض لبناء منزل لهم. فكثير منهم يقومون الآن ببناء شقق لهم في منازل آبائهم، وذلك بعد أن توجه المجتمع إلى العائلة النواة ثم رجع مرة أخرى إلى العائلة الممتدة التي تضم الجد والأبناء والأحفاد والأعمام في منزل واحد. وتتوقع مراكز بحثية عالمية أن يصل عدد العاطلين إلى ثلاثة وخمسين مليون نسمة في العام 2020م، مما يفرض تحديات عدة تتمثل في توفير فرص العمل للأعداد المتزايدة من الشباب المؤهلين لسوق العمل، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من السيدات الراغبات في دخول سوق العمل، حيث ستدفع الجامعات والمعاهد بأعداد كبيرة منهن إلى سوق العمل، إلى جانب الرجال، بثقافة توازن بين دور المرأة التقليدي والرغبة لدى الجيل الجديد في تحقيق الذات من خلال الوظيفة، حيث يفرض ذلك توجه الكثير منهن نحو مشاريع رواد الأعمال.إن الحفاظ على أوضاع الطبقة الوسطى ورعايتها وتنميتها هو تحدٍ تنموي بالدرجة الأولى؛ لذلك، فإن المطلوب هو إيجاد حلول طويلة الأجل لتنمية الطبقة الوسطى في دول المجلس تعتمد -بدورها- على تطوير نموذج التنمية الراهن من خلال تنويع مصادر الدخل، وإدخال أنشطة أكثر إنتاجية وذات قيمة مضافة حقيقية للأفراد العاملين، وليس فقط للمالكين لهذه الأنشطة. ومن شأن هذه الأنشطة توفير وضع اقتصادي مستقر للطبقة الوسطى وتقليل اعتمادها على الأنشطة المضاربية لتحسين أوضاعها، كما يجب أن تتزامن جهود تعزيز وتقوية الحاضن الاجتماعي - الاقتصادي لرواد الأعمال -ونقصد بذلك الطبقة الوسطى- مع جهود تأخذ طابع العمل المؤسساتي من حيث وجود استراتيجيات خليجية للنهوض برواد الأعمال، يتبع ذلك تأسيس جهاز معني بالموضوع يتبع الأمانة العامة لدول المجلس، ويمثل فيه القطاع الخاص الخليجي وبعض المؤسسات المتخصصة، وأن ترصد له ميزانية مالية ملائمة لتنفيذ العديد من البرامج الكفيلة بالنهوض بقطاع رواد الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي.  المشاركون بالمنتدى تفاعلوا مع الاطروحات وناقشوا المستجدات ومستقبل رواد الاعمال