الملك عبدالله ومشاهدة عن كثب
كان للملك عبدالله بن عبدالعزيز - رحمة الله عليه - تأثير آسر على من يتحدث معهم، ليس فقط لأن حديثه يخرج من القلب ليصل للقلب، ولكن لأنه كان دائماً واضح القصد، بل شديد الوضوح. وقصده كان مرتكزاً على رؤية راسخة. لامست ذلك في الشورى وفي الحوار الوطني والهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية واللقاء الفكري لمهرجان الجنادرية، وفي مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين (موهبة). عندما كان يجتمع بالشورى؛ إما في اللقاء السنوي لإلقاء الكلمة الملكية، أو في اجتماعات لمناسبات أخرى كانت تلك السمة الواضحة، كان يحث الشورى على بذل المزيد وإنجاز ما لديه من معاملات ولا سيما مشاريع النظم، وكان لا يقول ذلك بصيغة الأمر والشدة والتعنيف، بل بكلمات فيها إشعال للحس الوطني والالتزام الانساني، مبدياً دائماً تقديره لمن يقابله فيجعله بذلك أكثر قرباً.قبل سنوات، عقدت الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى اجتماعاتها في الرياض، وهي عبارة عن هيئة مكونة من 30 شخصا، ترشح كل دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون خمسةً من مواطنيها، ويحيل المجلس الأعلى للهيئة ما يراه من مواضيع لدراستها ثم الرفع بمرئياتها. وتم الترتيب للقاء مع الملك عبدالله بن عبدالعزيز «رحمة الله عليه»، وفي مثل هذه اللقاءات يطغى الجانب البروتوكولي المجامل، لكنه لم يك كذلك من الملك عبدالله؛ فبعد السلام والسؤال عن الحال، بين رغبته أن يرى دول مجلس التعاون أكثر تقارباً على جميع الأصعدة، فالتحديات أمامها كبيرة. وبعد أن أنهى كلمته حث الحضور على طرح ما لديهم من أسئلة، وطال الحديث، ولمس الجميع أن للملك رؤية واضحة فيما يتصل بدول مجلس التعاون بأنها امتدادٌ واحد وأن مصيرها على جميع الأصعدة مشترك، كان كذلك عبر الأجيال وسيستمر. وأذكر أن الشورى كان في أوج اجتماعاته مع الاتحاد البرلماني الدولي للانضمام لعضوية ذلك الاتحاد، فأخذ أحد أعضاء اللجنة التنفيذية يطرح أسئلة حول دور الشورى في المملكة، فما كان من الفريق الممثل لمجلس الشورى إلا أن دعا ذلك العضو وسائر اللجنة التنفيذية للاتحاد لزيارة المملكة، وأن بوسعهم المكوث هناك والتنقل في جنبات المملكة وزيارة من يريدون، فما كان من ذلك العضو إلا أن قال: هل نستطيع مقابلة الملك عبدالله (كان ولياً للعهد آنئذ)، فأجبناه بأننا سنسعى لذلك، وبالفعل قبلت اللجنة الدعوة، ومكثت في الشورى أياماً، وتمت المقابلة مع الملك عبدالله، وعندما خرج من اللقاء عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الدولي، قال: لم أكن أتوقع هذا الوضوح وهذه الشفافية وأريحية الرجل في عرض رؤيته. وليس من شك أنه كان للملك عبدالله رؤية تدعمها مبادرات ورغبة قوية للتنفيذ، ومجابهة الصعوبات بجسارة ومبادأة، وقد اهتم بالداخل دون ترك التحديات الخارجية. ومن الجسارة إعلانه عن إطلاق برنامج تنموي قوامه 400 مليار دولار أمام قمة العشرين في نهاية 2008 في أوج الأزمة المالية العالمية، وبيانه أمام تلك القمة أن السعودية لا ترى تدويل الأزمة، بل كل دولة تتولى إصلاح وتحفيز اقتصادها، وأن هذا ما ستفعله المملكة دون تردد. وبالفعل عندما عاد للمملكة أعلن عن ميزانية عامة قياسية الانفاق. وكان واضحاً ان تلك الرؤية تستند إلى نشر التنمية في كل جنبات المملكة، وألا تتركز فقط في مناطق دون أخرى، وقد بين ذلك في زيارته لبعض المناطق مثل جازان والحدود الشمالية، وبعد زياراته تلك انطلقت مبادرات ومشاريع، وهذا ما انعكس في مفردات الخطة الخمسية التاسعة (التي انتهى أجلها قبل أسابيع قليلة)، ولا سيما الاهتمام بالتنمية المتوازنة بما يحافظ على استقرار السكان في تلك المناطق دون سعي الشباب منهم للانتقال لمدنٍ أخرى طلباً للتحصيل الجامعي أو لفرص العمل.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج