صعوبة الإنتاج بأنامل مرتجفة!
هل المثقف العربي ناقل ومستهلك للثقافة وليس منتجا؟ هذا ما تطرحه بعض وجهات النظر التي تتناول الشأن الثقافي، وتصل إلى حد إنكار دور المثقف التنويري. فما مدى صحة هذا التصور؟ ليس دفاعا عن واقع الحال الثقافي، أو البحث عن مبرر لتحسين الصورة، حين نقول إن الذين يتوقعون من المثقف العربي دورا ثقافيا مساويا لنظيره في الغرب ينسون دور البيئة الحاضنة والمساحة المتاحة للحركة والتعبير والإبداع. وذلك ما ينقص الساحة الثقافية العربية، حتى أنه لو أدرك أحد الفلاسفة أو المفكرين العرب الأولين هذا العصر، لانضم إلى قافلة العقول المهاجرة بحثا عن فضاء ثقافي أكثر انفتاحا.لنطرح مثالا آخر على إعاقة البيئة الحاضنة للتطوير والتغيير، ففي المجتمع العربي يتخرج كل عام أعداد من المبتعثين إلى الخارج في مختلف التخصصات، لكن تأثيرهم في مجالات التنمية المختلفة محدود، إما لعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، أو لأن بيئة العمل التقليدية المتوارثة ونظمها البيروقراطية العتيقة تحول دون تطبيق ما تعلموه. لذلك يجد بعضهم نفسه مضطرا إلى الإذعان ومن ثم التكيف مع بيئات العمل التقليدية عملا بالقاعدة القائلة: "إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون"! ولا يختلف الأمر في مجال الثقافة والفكر، فقد يقبل الناس على استيراد كل ما هو مادي، وعلى تجديد وتطوير أشكال البيوت والسيارات، والتزاحم على مطاعم الوجبات السريعة، واقتناء الملابس العصرية التي تماشي الموضة، واستهلاك منتجات التقنية الحديثة، غير أنهم يحجمون عن تقبل الأفكار الجديدة سواء كانت محلية أم "مستوردة". وقد يستفزهم فِيلم أو رواية تعري الواقع وتفضح قبحه، ويزعجهم برنامج تلفزيوني يتناول بشكل شفاف القضايا المسكوت عنها، ويصدمهم مقال ينتقد بعض المفاهيم السائدة. فهم ـ على المستوى الثقافي ـ يفضلون بقاء الحال على ما هي عليه، مع أن بقاء الحال من المحال، كما يقولون.في هذا المناخ المسيَّج بالأوامر والنواهي والخطوط الحمراء والرمادية، يتقلص دور المثقف، وقد ينكفئ نحو ذاته طلبا للسلامة. ناهيك عن أنه لا يستطيع أن ينتج فكرا وأدبا وفنا بأنامل وَجِلةٍ مرتعشة.هنالك حذر وتحفظ مبالغ فيه يتغلغل في كثير من شؤون الحياة، فيضيّق مساحة الحركة والتعبير، ويحدّ من الحرية، وهي أول شرط من شروط الإبداع. ترى كم من المبادرات الخلاقة غُيّبت بسبب تلك الحساسية المفرطة؟ الحساسية التي ترتدي أحيانا جلباب الغيرة على كل شيء، والارتياب من كل شيء جديد ولو كان جميلا ومفيدا! تحتفظ الذاكرة بكثير من الأسماء العربية التي تجاوزت مأزق البيئة الخانقة، فحققت إنجازات علمية وفكرية وأدبية وفنية لا تقل أهمية عن إنجازات نظرائها الغربيين. والكلام هنا ليس على النخب التي انشغلت بمشاريع طوباوية وشعارات وعناوين لم تتجاوز حيز الورق الذي كتبت عليه، أو تلك التي غرقت في فوضى المشهد السياسي، وإنما على الأسماء التي كرست وقتها للشأن الثقافي. فقد أثبتت تلك العقول المهاجرة أنها لا تقل إبداعا عن نظرائها في الغرب في مجال العلم والفكر والفن والأدب، وفي مجال الأدب بالذات يمكن القول إنه لولا بعض الاعتبارات والحسابات التي لا علاقة لها بالإبداع الأدبي، لكان بعض الأدباء العرب أحق بالجوائز العالمية من بعض الأسماء الغربية التي نالتها خلال العقدين الماضيين، لكن للجوائز آلياتها ومعاييرها ومنطقها الخاص. * متخصص في الإدارة الدولية المقارنة