النفط وأسواق الأسهم
منذ انخفاض أسعار البترول قبل نحو ثلاثة شهور، والبورصات الخليجية تشهد تقلبات حادة بين ارتفاع وانخفاض مع خسائر فادحة لا يمكن تبريرها بما يحدث في أسواق النفط.في ضوء معطيات الواقع الخليجي، في الغالب الأعم يأخذ انخفاض أسعار النفط طريقه للتأثير على أسواق الأسهم بصورة غير مباشرة، ويفترض أيضا في المدى المتوسط. أن أول تأثير ممكن هو في حالة وجود شركات مرتبط نشاطها مباشرة بقطاع النفط مثل شركات اكتشاف وإنتاج وتصدير النفط، وشركات البتروكيماويات. وإذا كانت اغلبية البورصات الخليجية لا يوجد بها أسهم لشركات نفط كون هذه الشركات مملوكة من الحكومات، فإن شركات البتروكيماويات ممكن ان تستفيد من انخفاض أسعار النفط نظرا لتحسن تنافسية منتجاتها. كذلك الحال بالنسبة لشركات الطيران والشحن والنقل وغيرها. الطريق الثاني هو عبر انخفاض مستوى السيولة في الاقتصاد بالتتابع مع انخفاض حجم الانفاق مما يؤثر على حجم المشاريع المنفذة وكذلك الأموال المتوفرة للإقراض لدى البنوك، وبالتالي انخفاض حجم انشطة وأرباح البنوك وكذلك شركات القطاع الخاص وبالذات التي تعتمد بصورة كبيرة على مناقصات حكومية. وهذا بدوره ينعكس على أسهم هذه البنوك والشركات في البورصة لكن هذا يكون في المدى المتوسط. في المقابل، فأن قيام الحكومات بالاستدانة لتمويل العجز عن طريق سندات او اقتراض مباشر من البنوك سوف ينعكس بشكل ايجابي على عوائد البنوك. ولا يمكن الحديث هنا عن تدهور نوعية الأصول الحكومية لدى البنوك لأن من المتعذر تكرار تجربة دبي بالنسبة لبقية الحكومات الخليجية. في المقابل أيضا، فإن انخفاض حجم السيولة يعني انخفاض حجم التضخم في الاقتصاد وهذا له مردودات عديدة على ربحية الشركات.عند النظر إلى هذه العوامل، يتأكد القول إن تأثير انخفاض النفط على أسواق الأسهم هو تأثير معنوي وسيكولوجي أكثر من أن يكون تأثيراً فعلياً أو مباشراً، إذ لا يمكن أن تتأثر الشركات المحلية العاملة في قطاعات غير مرتبطة بشكل مباشر بأسعار النفط من دون حدوث تباطؤ اقتصادي، وهو أمر سوف تجتهد دول المجلس لتجنبه وخاصة أكبر اقتصاد خليجي وهو الاقتصاد السعودي الذي أعلن عن زيادة في الانفاق عام 2015. كم ان المضاربات أيضا تعلب دورا رئيسي في هذه التقلبات الحادة في أسواق الأسهم، حيث يمكن أن نشخص بسهولة تلاعب كبار اللاعبين بالأسعار في لعبة قديمة يجددها الخوف الدائم لدى صغار المستثمرين.وأيا كانت الأسباب اقتصادية حقيقية أم عوامل سيكولوجية نفسية أم عوامل المضاربة، فإن توفر المعلومات الكافية لدى المستثمرين وخاصة صغار المستثمرين وتحقيق شفافية أكبر في عمل البورصات يمكن أن يسهم في تهدئة الأسواق إلى حد كبير.لقد فرضت قوانين وأنظمة وتعليمات البورصات الخليجية على الشركات المساهمة العامة المدرجة أسهمها في السوق الإفصاح الدوري (كل ثلاثة شهور) عن نتائج أعمالها وتطور أدائها بهدف ربط حركة سعر أسهم هذه الشركات بما حققته من أرباح ونمو في بنود ميزانيتها ومؤشرات أدائها، بالإضافة بالطبع إلى الإفصاح الفوري عن أية معلومات مهمة لها تأثير في أداء الشركة، وبالتالي حجم الطلب والعرض على أسهمها في الأسواق المالية. كما حددت مواعيد للإفصاح ومواعيد وفترات معينة لا يحق للمطلعين سواء كانوا أعضاء مجالس إدارات الشركات أو أعضاء الإدارة التنفيذية تداول أسهم هذه الشركات، وهي الفترات التي تسبق فترات الإفصاح وتكون خلالها المعلومات في مرحلة التجهيز والموافقة، والتزام الشركات بقوانين الإفصاح والشفافية من المتطلبات الرئيسية.ونظراً لأهمية البيانات المالية المنشورة فإنها قد خلقت خلال العام أربعة مواسم لنشاط الأسواق المالية. وعادة تتضمن معلومات مهمة عن تطور نمو الأرباح ونمو حقوق المساهمين ونمو الموجودات، بالإضافة إلى معرفة مصادر الأرباح سواء كانت أرباحاً تشغيلية أي من أعمالها الأساسية أو أرباحاً استثمارية، بالإضافة إلى معرفة قيمة الأرباح الاستثنائية غير المتكررة، وبعض المؤشرات والتي أصبحت موضع اهتمام المستثمرين نتيجة الأزمة المالية العالمية وفي مقدمتها مؤشرات السيولة والملاءة المالية للتأكد من قدرة الشركة على تنفيذ مشاريعها وتوسعاتها وتسديد التزاماتها المختلفة سواء على الأجل الطويل أو الأجل القصير.واللافت أن نسبة مهمة من المستثمرين الأفراد في الأسواق المالية لا يحسنون قراءة القوائم المالية التي تنشرها الشركات ويتابعون أخبار الشركات من خلال وسائل الإعلام فقط، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم وسائل الإعلام لا تلتفت إلى العديد من المؤشرات الهامة في البيانات المالية، بالإضافة إلى اعتماد بعض وسائل الإعلام على غير مختصين في تحليل البيانات المالية التي تنشرها الشركات، حيث نلاحظ افتقارهم إلى الدقة والموضوعية والمهنية والتخصص في التحليل، بالإضافة إلى اعتماد نسبة مهمة من المضاربين والمستثمرين الأفراد في قراراتهم الاستثمارية على الشائعات والمنتديات أو الأصدقاء أو الوسطاء .وهذا يسهم في جعل الأسواق المالية لا تتفاعل بكفاءة مع نتائج الشركات بصورة عامة من حيث انعكاسها على أسعارها السوقية، بحيث نلاحظ تراجع أسعار أسهم بعض الشركات بالرغم من تحسن أدائها استناداً إلى بياناتها المنشورة أو العكس، وحيث نفترض أن تحسن مؤشرات أداء أي شركة يسهم في تعزيز تحسن أداء أسهمها في الأسواق المالية خلال الفترة القصيرة الماضية.كذلك نلاحظ تركيز نسبة مهمة من المستثمرين على معرفة أرباح الشركات فقط دون الاهتمام بالمؤشرات الأخرى والتي توازي أو تزيد في الأهمية على قيمة الأرباح المحققة، وهذا بالطبع يخلق فجوة بين أداء الشركات وأداء أسهمها في الأسواق المالية ويساهم في عدم استقرار مؤشراتها.فالمتتبع للأسواق المالية الخليجية على وجه العموم، يقر بوجود عدد كبير من صغار المستثمرين الذين تأثروا بشكل كبير بنكسات هذه السوق وخاصة فيما يتعلق بقضايا المعلومات المشوشة (المضللة) وتسريباتها، مما أدى إلى خسارة الكثير منهم وانسحابهم بل اندحارهم إلى مصير غير معلوم. فانتشرت شائعات عديدة حول الأسباب التي أدت إلى انتكاسة تلك الأسواق بشكل مخيف، حيث خالفت ما يعرف عن قوة الاقتصاديات الخليجية وساعد على تزايد هذه الشائعات الأذن الصاغية للمستثمر الذي لا يملك معلومات صحيحة تغنيه عنها. والحقيقة أن قلة المعلومات لدى المستثمر في سوق الأسهم تجعله يصدق الشائعات ويزيد من تدويرها بين من يعرفهم ومن لا يعرفهم.