خليل الفزيع

لا يمكن السيطرة على فضاءاته

لم يعد مجهولا لدى الجميع مسمى (وسائل التواصل الاجتماعي)، الذي يشمل فيسبوك، تويتر، وانستغرام وأخواتها، وهو مسمى في غير محله، فهذه الوسائل أصبحت للعزل الاجتماعي وليست للتواصل الاجتماعي؛ لأنها كثيرا ما تصرف من يمارسها عن كل ما حوله، ليعيش في عالم افتراضي، ينقله بعيدا عن الواقع الذي يعيشه بالفعل، ولم يعد مستغربا أن نرى مجموعة من الناس الذين يضمهم مكان واحد، وقد يكونون أفراد أسرة واحدة، ومع ذلك يعيش كل فرد منهم بعيدا عن الآخر ربما مئات أو آلاف الأميال، فهو منغمس - عما بجواره - في عالم آخر، يجعله في عزلة تامة عن كل ما حوله، وليس دائما أن تكون هذه العزلة مع أشخاص آخرين، بل قد تكون طوافا فرديا حرا في عوالم المحظور فيها أكثر من المباح، وفي فضاء مفتوح للجميع، لم تنفع كل التحذيرات من ولوجه والتنقل في أجوائه ولدرجة قد تشغل وقت المتصفح عن واجباته الأسرية والاجتماعية، وربما الدينية -والعياذ بالله-. وقد تصبح هذه التسمية صحيحة؛ لو التزم الناس باستخدام هذه المواقع لهذا الغرض، وهو معرفة أحوال بعضهم، ومتابعة أخبارهم، والتعرف على المستجدات في حياتهم. لكن المسألة تعدت ذلك إلى ممارسات غير محدودة، تغري الكبار والصغار وهم الأكثر تضررا من الكبار، حيث تنعدم الرؤية الحقيقية للأمور، كما تنعدم القدرة على التمييز بين الغث والسمين، والأسوأ أن بعض الكبار الذين يفترض أن يراقبوا الصغار؛ ليمنعوا وقوعهم في مثل هذا الأمر، أقول إن بعض هؤلاء الكبار يحتاجون إلى من يراقبهم، حين ينشغلون أيضا عما حولهم بالتجول في المواقع المحظورة، دون أدنى شعور بالذنب، أو إحساس بالمسئولية الأخلاقية تجاه أنفسهم، وأسرهم ومجتمعاتهم، وكثيرة هي الحالات التي أفرزت شتات بعض الأسر؛ بسبب الاستعمال الخاطئ لهذه الوسائل من قبل أحد الزوجين. وهذا السلوك قد يصرف قائد المركبة عن الانتباه لأخطار الطريق، فتنجم عن ذلك كوارث لا يعلم إلا الله فداحة عواقبها، وقد تشغل الموظف عن القيام بواجباته الوظيفية، عندما يتجاهل المراجعين، أو يتأخر في إنهاء إجراءات المعاملات المتراكمة على مكتبه، أو لا يرد على استفسارات المستفسرين عن بعض الأمور في عمله، كل ذلك فقط لأنه مشغول بجواله، لا يعنيه من الدنيا سوى ممارسة هذه العزلة الاجتماعية، في عالم افتراضي لا يمكن السيطرة على فضاءاته، أو معرفة محتوياته، إلا للمتصفح وليس غيره. والحال مع بعض الموظفين لا يختلف معه الحال مع بعض الطلاب أو حتى تلاميذ المدارس الابتدائية، بعد أن أصبح الجوال متاحا بأيدي الصغار كما هو بأيدي الكبار، ومع توفر "النت" في كل مكان، تصبح السيطرة على هذا الأمر مستحيلة. ومع أن الآباء يدركون خطورة توفر الجوالات بأيد الصغار، فإنهم لا يمنعونهم من استعمال هذه الجوالات، وكيف يمنعونهم وهم الذين يوفرونها لهم دون تفكير في الآثار التربوية السلبية، التي تنتج عن استعمال الصغار لهذه الجوالات، ومعظمها من الأنواع المتطورة تقنيا، وهي المتوفرة أكثر في السوق، والمسماة بالجوالات الذكية، حيث الإقبال عليها غير محدود. هذه الفوضى في استعمال الجوالات، من قبل الصغار والكبار، تدعو إلى وقفات صادقة مع النفس، وتفكير عميق في النتائج السلبية والمدمرة، المترتبة على هذه الفوضى؛ للحد من التردي الأخلاقي الذي بدأ يتسرب إلى المجتمع، وأحد أسبابه هذه الوسائل المسماة «وسائل التواصل الاجتماعي»، ولو أنصفوا لسموها «وسائل العزل الاجتماعي»؛ لأنها تحول بين الإنسان ومن يجلس بقربه، حتى لو كان أقرب الناس إليه، مثل: أمه وأبيه، أو زوجته وأبنائه وبناته. فهل هي فعلا وسائل للتواصل الاجتماعي، بعد كل هذا الانعزال الذي تفرضه على مستخدميها؟! * رئيس مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي