كلمة اليوم

هل ستعود أسعار النفط إلى سابق عهدها؟

سجلت أسعار النفط أعلى مستوى في تاريخها في منتصف عام 2008م، حيث وصلت إلى 144 دولارا للبرميل، ثم عادت وانخفضت بعد ذلك إلى 37 دولارا للبرميل فى نهاية عام 2008م، وذلك لظروف اقتصادية أتعبت العالم أجمع في تلك الفترة. وكان هذا الارتفاع الكبير غير المبرر، قد فسر ذلك الوقت بأنه بسبب المضاربين والمتلاعبين بأسواق النفط. ولكن الانخفاض في الأسعار بنهاية عام 2008م إلى 37 دولارا للبرميل أيضاً غير مبرر وغير منطقي، وبذلك أصبح النفط وهو عصب طاقة العالم الأول خفيفا تتقاذفه الأمواج. فهل يعقل أن تنخفض أسعار النفط بأكثر من 100 دولار في أقل من ستة أشهر في العام 2008م.وفي عام 2014م وصلت أسعار خام برنت إلى قمتها في منتصف العام الماضي تقريباً، حيث سجلت حوالي 113 دولارا للبرميل. وبعد ذلك انخفضت الأسعار بحوالي 60 دولارا للبرميل في ستة أشهر، حيث كسرت أسعار خام غرب تكساس في بداية 2015م حاجز 50 دولارا للبرميل، واقترب برنت من هذا الحاجز. هذه الارتفاعات والانخفاضات الكبيرة في أسواق النفط، تشير إلى وجود عوامل كبيرة تتحكم بالأسعار العالمية، لا يمكن أن تتعدى قاعدة العرض والطلب. ونعلم أن الأسعار تتأثر بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاستقرار العالمي. ولكن أن يكون الهبوط بهذه الحدة، أمر يثير العجب. فلا يزال العالم يستهلك حوالي 91 مليون برميل باليوم، مع العلم بأن النفط ناضب، وهذا يعني أن العالم يحرق سنوياً حوالي 33 مليار برميل، لن يتم تجديدها، والمجيء بها من جديد. ولن يعود النفط المستهلك وهذه الحقيقة بحد ذاتها يجب أن تحمي أسعار النفط من التأرجح الكبير، الذى يتعامل مع النفط كمادة غير استراتيجية.ولقد ارتفع الفائض في إنتاج النفط في الأسواق العالمية، في السنوات القليلة الماضية، إلى حوالي 4 ملايين برميل باليوم، وهو بمعظمه نفط مرتفع التكاليف من أمريكا الشمالية (غير تقليدي) ونفط البرازيل وبحر الشمال، وهو أيضاً مرتفع التكاليف. ولن يصمد هذا الفائض ذو التكاليف الباهضة كثيراً في وجه الأسعار الحالية، وسوف ينخفض الإنتاج من هذه المصادر؛ لتعود الأسواق إلى اتزانها وأدائها المنطقي. ويجب الإشارة إلى روسيا، والتى تعتبر حالياً أكبر منتج للنفط في العالم، إذ يقترب إنتاجها من 11 مليون برميل باليوم، والتي تضررت كثيراً من انخفاض أسعار الطاقة، إذ أن تصدير النفط والغاز الطبيعي يشكلان حوالي 70% من عائدات التصدير الروسية، والتي وصلت قيمة مبيعاتها الخارجية من النفط والغاز إلى حوالي 250 مليار دولار في عام 2013م. والمثير للدهشة أنها تسعى إلى رفع الأسعار بكل ما في استطاعتها، عدا خفض إنتاجها. ويجمع كثير من المحللين المختصين أن الأسعار ستستقر وستتعافى تدريجياً، وأنها لا يمكن أن تستمر بالنزول. وأن الأسعار الحالية ستؤدي إلى خفض مشاريع إنتاج الخام في مناطق كثيرة من العالم، وسوف تقلل عمليات الحفر خاصة في الأماكن باهظة الكلفة. ولا شك أن الأسعار الحالية لن تشجع تمويل المشاريع الجديدة، والتي أصبح ينظر إلى جدواها اقتصاديا بعين الشك والريبة. وبدأت تظهر بوادر تراجع في الإنتاج الأمريكي من الزيت الصخري؛ بسبب تراجع عدد الحفارات، وهذا بسبب هبوط الأسعار إلى 55 دولارا للبرميل، والتى لا تساعد المستثمرين الأمريكيين على المضي قدماً في إنتاج الزيت الصخري الباهظ الثمن والملوث للبيئة، والبواخر مليئة بالنفط الرخيص تجوب بحار العالم تبحث عن زبائن.وبشكل عام، فإن قدر أسواق النفط أن يكون لها دورات تنظم الأسعار. فإذا ارتفع السعر بصورة كبيرة ساعد ذلك على دخول لاعبين ومنتجين جدد إلى الأسواق، مما يضيف كميات جديدة لا حاجة لها، وبذلك تهبط الأسعار بداعي كثرة المعروض. وإذا قلت الأسعار أفلس المنتجون الجدد والدخلاء؛ لعدم قدرتهم على المنافسة ويذهب معهم الفائض العالمي من النفط، فترجع الأسعار وترتفع مجدداً. إنها حقيقة أصبحنا نفهمها ونراها في كل فترة زمنية معروفة بدورة النفط. وستعود أسعار النفط كما ارتفعت عندما انخفضت إلى 37 دولارا للبرميل في نهاية عام 2008م، ولكنها استغرقت عاماً كاملاً لترجع الى حدود 80 دولارا للبرميل. ويبدو ان فترة سنة أصبحت مطلباً لكي تزول العروض الكبيرة، وتعكس أسعار النفط اتجاهاتها، وهكذا تبدأ دورة جديدة للنفط وهكذا دواليك.