الهروب من المدرسة.. والهروب إليها
تلقيت العديد من الاتصالات التي تطالب بالكتابة حول موضوع طالبي إحدى المدارس الابتدائية بمدينة العمال بالدمام، اللذين غادرا المدرسة صباحاً، واستقلا قطار الركاب إلى مدينة الرياض دون أن يعلم أحد عن هروبهما أو الجهة التي ذهبا إليها إلاّ بعد وصولهما الى الرياض. ومع أهمية القضية وخطورتها خاصةً وأن مغادرة الطالبين تمت أثناء الفسحة أي حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً، وأن أحداً لم يخبر أياً من أسرتي الطالبين بخروج ولدها من المدرسة، وأن تلك الأسر لم تعرف عن تغيب ابنها وهروبه من المدرسة إلاّ بعد انصراف الطلاب في نهاية اليوم الدراسي وعدم عودة كل منهما لمنزل والديه كما علمنا من خلال ما نشرته اليوم في حينه. ومع أن معظم الذين اتصلوا بي لهذا الغرض كانوا يؤكدون على توزيع اللوم والعتاب والمسؤولية؛ إلاّ أن ذلك وإن كان مهماً إلا أنه ليس أهم ما في موضوع الهروب، لا سيما وأن الإدارة العامة للتربية والتعليم في المنطقة الشرقية شأنها شأن كافة الجهات المسؤولة في وزارة التربية والتعليم، حريصة كل الحرص على سلامة الطلاب وأمنهم وألا يصاب أحد منهم بمكروه وأنها بلا شك سوف تقوم بكل الإجراءات التي من شأنها ليس فقط تحديد المسؤوليات، بل ضمان عدم تكرار مثل هذه الواقعة مستقبلاً، والأمر كذلك فيما أعتقد بالنسبة للمسؤولين في محطة قطار الدمام التي استطاع الطفلان أن يصلا إلى داخل أحد قطاراتها، ويستقلانها بل ويسافران على متنه أربع ساعات لا يتم خلالها اكتشاف وجودهما دون مرافقين إلا بعد وصولهما إلى الرياض. مع ذلك كله فإن الأمر بالنسبة لي كتربوي ومهتم بالشأن الاجتماعي لا يقف عند هذا الحد، بل يطرح أسئلة هامة تبحث عن إجابات مقنعة هي - من وجهة نظري - أهم من التعامل مع هذه الحادثة بالشكل الذي طالب به بعض المتصلون، وكثير ممن كتبوا عن الموضوع أو سمعناهم يتحدثون في هذه القضية وهي أسئلة تتعلق بسبب هروب الطلاب من المدرسة. لماذا تصبح المدرسة مكاناً غير جاذب لأبنائنا يهربون منه؟. ألا يمكن أن يكون لدى أبنائنا ما يمنعهم طواعية من الهروب من المدرسة غير الأسوار التي أثبتت هذه الحادثة أنها رغم ارتفاعها لم تكن كافية لمنع طالبين في السادسة أو السابعة من عمريهما من تسلقها والهروب منها!. إن هذا السؤال ينبغي أن نبحث جميعاً مربين وأولياء أمور أفراداً ومؤسسات عن إجابات ناجعة له من خلال دراسات علمية وبحوث تربوية نعرف جميعاً كم هي شحيحة لدينا، وخاصةً فيما يتعلق بكثير من القضايا التربوية التي تبحث عن إجابات مقنعة وعملية. إن الإقرار بجنوح الطلاب للهروب من المدرسة بعد كل ما صاحب البيئة المادية للتعلم من إصلاحات وتحسين وتطوير يثير التساؤل، فيما كان الأطفال سابقاً يهربون إلى المدرسة من واقعهم ليس بحثاً عن العلم فقط، بل وبحثاً عن الالتقاء بأقرانهم ومعلميهم رغم ما اعترى ذلك من صعوبات ليس أولها المواصلات، حيث كانت الأكثرية تذهب مشياً على الأقدام إلى مدارس بعيدة لم تكن متوفرة في كل حي كما هو الحال الآن، وليس آخرها عدم توفر التسهيلات المتاحة الآن من تكييف وملاعب وأثاث ومختبرات وغيرها، خاصة وأن الهروب هو واحد من دلائل نفور الطلاب من المدرسة وعدم الإقبال عليها، بل إن هنالك ظواهر أخرى سوف تفاجئنا خلال البحث والاستقصاء. أسئلة كثيرة تقع على المربين والمسؤولين والمعلمين مسؤولية الإجابة عنها خلاصتها والغاية من طرحها هي الإجابة عن السؤال الأهم: كيف يمكن عكس الاتجاه ليكون الهروب إلى المدرسة وليس منها؟.* أكاديمي وباحث تربوي واجتماعي