د. محمد الغامدي

الشيخ الشتّام.. والمثقف القاذف!

من قتل ولدي فلا يوجد أي عدل أو منطق يبيح لي قتل ولده، ومن افترى عليَّ فلا يسوغ لي أن أفتري عليه... وهكذا، وإنما يسوغ لي في كل هذه الأحوال أن أعفو عنه، أو أطالب بإيقاع العقوبة عليه إذا ثَبَتَتْ جِنايته. وهذا بالمطلق صواب وعدل دوما، وفوق ذلك وقَبْلَه هذا شرع الله -تعالى- وحُكمه سبحانه في شريعته الخالدة الناسخة المُحْكَمَة.فَمَن يُفهِم هؤلاء الشتّامِين الطعّانين الذين يستسيغون الفجور في الخصومة، ويألفون نابي القول، أنَّ فعلهم هذا لا يدل على قوة، ولا ينصر حقا، ولا يساعد على الاقتناع، ولا يعين على الاتباع، بل هو سلاح بيد إبليس وأعوانه من شياطين الجِنّ والإنس، يُقبِّحون به ما تحمل مِن حق، وينفِّرون بتجاوزك في القول عن السبيل الذي تدعو إليه!وهاتان قصتان «قديمة وحديثة»:أما القديمة: فقد خرّج البخاري ومسلم في صحيحيهما (وهذا السياق للبخاري) عن عائشة -رضي الله عنها-، أن اليهود أتَوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: السَّام عليك، فقال: وعليكم، فقالت عائشة: السَّامُ عليكم، ولعنكم اللَّه، وغضب عليكم! فقال رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: يا عائشةُ عليكِ بالرفق، وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحشَ، قالت: أوَ لَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: أوَ لَم تسمعي ما قلْتُ؟! رَدَدْتُ عليهم، فَيُستجابُ لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ».فنلحظ هنا أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يَخْفَ عليه فساد قولهم، بل قد عاملهم بالمثل؛ لكشف كيدهم، لكنه اعترض على خشونة اللفظ في هذا الحال.وهذا في حق الكافر المعتدي باللفظ لأطهر الخلق وقائد الأمة وسيدها. أما المُسلم فذاك ممتنع في حقه، فقد ثَبَتَ فِي صَحِيحي الْبُخَارِيِّ ومُسْلم عَنْ عُمَر فِي قِصَّةِ الصحابي الَّذِي تَكَرَّرَ مِنْهُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَجَلْدِهِ، لَمَّا لَعَنَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «وَقَالَ: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيضا.فكيف يزعم أحدٌ -مهما بلغت رتبته في نفسك- أنّ شتما أو طعنا أو سخرية أو فَضْحَاً في شأن خاص...الخ السلسلة النكدة هذه، يمكن أن تنصر حقاً، أو تُعلي قيمة، أو تمثّل دينا أو وطنا؟!وأما الحديثة: فقصتي مع شيخٍ كنت أعدّه من صالحي الشيوخ، وكان عفيف اللسان ما علمتُ، فتشاغل ببعض ما يتصل بالواقع وبالخطاب العام، والتصدي لهؤلاء، والرد على أولئك... بل كان يمارس دور « الفداوي» الذي يبادر لاستفزاز طائفة قد تكون أولى بالحق منه جملة وتفصيلا! ولم يجْرِ كبير وقت حتى أصبح شَكِساً يعلن الشتم والطعن في لسانه وكتابته. قد -والله- أزرى بنفسه وعِلْمِه وما يرى أنه يحمل من حق؛ حتى أصبح -وأمثالُه- عِبرة لأولي الألباب!من شتمك فلا تشتمه، ومن طعن فيك فلا تطعن فيه، وإن كان لك من حق مترتب على قذف، أو طعن، أو نحوهما فأنت بين مقامين: الأعلى وهو الإحسان والعفو، والأدنى وهو المطالبة شرعا عن طريق القضاء. وما سوى ذلك فليس من أخلاق الكِبار، ولا من مروءات الرجال، وأعلم أنه سيعود على ما تدعو إليه -أيّاً كان مذهبك- وإلى شخصك بالسوء عند طائفة من الناس. فالسلامة السلامة.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ».