حسن السبع

محاولة لاستعادة ما سلبه الواقع

"كبرنا عاما كالعادة"! هذا عنوان مقال كتبته في مطلع العام المنصرم، واختتمته بعبارة طرفة بن العبد: "ما أشبه الليلةَ بالبارحة"! ثم التعليق على تلك العبارة بالقول: "أما الأدهى من ذلك كله فهو أن يتمنى بعضهم عودةَ البارحة"! أُذَكّر به اليوم لصلته بموضوع هذا المقال.وبعد.. لا يُتَّخذ الماضي بديلا إلا في حالة عدم الرضا أو القبول بالحاضر. فالعودة إلى الماضي، أو تمني العودة إليه، شكل من أشكال "الانكفاء" ناتج عن تضاؤل فرص المشاركة والتفاعل والتأثير والقدرة على التغيير. مع ذلك، تبدو أمنية العودة للبارحة غريبة، لأن الشيء المعتاد هو أن يتطلع الناس إلى الغد، لا إلى الوراء. مع ذلك، قد تعني العودة إلى الوراء على المستوى الفردي رغبة في عدم تكرار الأخطاء، وهو أمر متعذر، فلا حياة بلا أخطاء وبلا قرارات طائشة. ولو تخيلنا إمكانية ذلك، وعدنا إلى الوراء فسوف نكرر الأخطاء نفسها، أو نقترف ما هو أكثر طيشا منها، لأننا لا نعود إلى الوراء بالوعي أو الحكمة التي منحتنا إياها التجربة. وإذا استثنيتَ من يعيش هذا العصر بعقلية ماضوية، فإنك لن تجد عاقلا يريد العودة إلى الماضي، لكنك قد تجد من يبكي على أطلال الماضي بالطريقة التي عبر عنها الشاعر حين قال: "ربَّ يومٍ بكيتُ منه فلمَّا/ صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليه"!غالبا ما يكون المثقف سابقا لعصره، أو هذا ما يراه المستقبليون. وإذا كان الأمر كما يرون، فلا عجب أن ينشأ شيء من التضاد أو التناقض بين رؤية المثقف للأمور، ورؤية المحيط الذي يعيش فيه، أي بينه وبين التقاليد الثقافية السائدة. هذا في الأحوال العادية، أما في زمن الانتكاسات والتحولات الحادة فقد تتسع الفجوة بين المثقف ومحيطه، فينتج عن ذلك حالة من الانكفاء إلى الداخل، داخل الذات، حيث تسيطر حالة من الاغتراب، أو داخل عالم خاص بالمثقف ونظرائه. مع ذلك، ما زال بعضهم ينتظر من المثقف دورا شبيها بدور الناطق الرسمي، أو دور شاعر القبيلة في الزمان الغابر.وإذا استثنينا حركة الصعاليك القدامى، فقد كان الشاعر في الماضي لسان حال القبيلة المنسجم مع تطلعاتها والمعبر عن قناعاتها. فهو منها إن غَوَت غوى، وإن ثابت إلى رشدها ثاب. وقد لا يختلف دوره عن دور عضو في جوقة إنشاد. اختلف دور المثقف فأصبح مغايرا لهذا المنطق. وانتقل من حالة الاذعان للثقافة السائدة، والذوبان في المجموع، والتصالح مع الواقع إلى التصادم معه من أجل إعادة ترتيب الحيز الاجتماعي وفقا لتصوراته، أيا كانت طبيعة تلك التصورات.تصور آذر نفيسي ذلك الانكفاء في كتابها "أشياء كنت ساكتة عنها"، على أنه ناتج عن عدم انسجام مع الراهن يقود إلى الالتجاء إلى عالم خاص "بأسلوب حياته، وقواعده السلوكية، وأشيائه الإضافية". وفي فوضى الحاضر التي تشوه الحياة، والتخلف الذي يستوطن الرؤوس، والجنون الذي يدمر المكتسبات الحضارية؛ في مثل هذا المناخ من الانتكاسات والانهيارات التي تتهاوى فيه منظومة القيم، ويتسع الخرق على الراتق، يلجأ المثقف إلى أهون الشرين، وأحلى المرين، فيبتكر عالما خاصا به وبنظرائه في التفكير والآمال والتطلعات والاهتمامات المشتركة. إن ذلك الانكفاء إلى الداخل ليس نهائيا، كما أنه ليس سلبيا بالمطلق، فقد يكون استجابة لذلك التحدي هدفها استعادة ما سلبه الواقع من مكتسبات ثقافية وحضارية.* متخصص في الإدارة الدولية المقارنة