هناء مكي

الرأسمالية الفرنسية!

من المستغرب حقاً أن نرى في الدولة الفرنسية تناقضا ملحوظا فهي تجمع أعظم عقول اقتصادية وأسوأ أداء اقتصادي في آن، فقد أدت سنوات حكم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تكبد الاقتصاد مزيدا من الخسائر التي لم يلملم بعضها على إثر الأزمة العالمية الأخيرة، رغم أن الاقتصاد الفرنسي يصنف كثاني اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا، مع توقعات خبراء صندوق النقد بتفوق الاقتصاد البريطاني على نظيره الفرنسي إذ سجل «البريطاني» معدل نمو 3.2 بالمائة مقارنة بنحو 0.4 بالمائة للفرنسي في العام المنتهي، والتوقعات تشير إلى نمو مطرد «للبريطاني» يقابله تراجع «فرنسي»، ولكن تبقى حقيقة أن منطقة اليورو مُقدمة على حالة ركود يقدر خبراء الصندوق نسبتها بنحو 40 بالمائة.وفقد هولاند وسط ذلك شعبيته بسبب ارتكابه حماقات بروتوكولية وسياسية، وزاد عليه تدهور الاقتصاد بطريقة غير مسبوقة وفشل إدارته التي وضعت سلة من المشاريع الاقتصادية بداية العام المنصرم، في جني ثمارها حتى الآن، ما زاد الوضع تأزيما. فهو الرئيس اليساري الذي جاء بوعود كبيرة لتحقيق أحلام الفقراء والعاطلين، وتحسين الأوضاع الاجتماعية، ولكن كيف ذلك والاقتصاد الفرنسي لم يحقق أي نمو في عهده بل ارتفع حجم البطالة بشكل غير مسبوق ليصل الى 10.8 بالمائة وهي النسبة الأعلى في تاريخ فرنسا منذ أربعة عشر عاماً.وكانت أكبر حماقة اقتصادية ارتكبها أدت لهجرة رؤوس الاموال المحلية والأثرياء الفرنسيين من البلاد وذلك مع تقلده الرئاسة عام 2012 ولا تزال مستمرة، بعد تطبيقه لما يسمى جدلاً بضريبة الأغنياء وهي «ضريبة التضامن» والمزيد من الضرائب الأخرى، وقدرت بعض المصادر هجرة مليارات الدولارات إلى بلدان اوروبية ما أفقد البلاد استثمارات ومشاريع كانت سبباً في ارتفاع نسب البطالة.أجل غريب أن تتعرض دولة تحوي عقولا اقتصادية إلى تدهور في اقتصادها، ولا يمكنها الاستعانة بأكبر منظري الاقتصاد المعاصرين لمساعدتها في معالجة الوضع الاقتصادي المتردي.وقد يكون ذلك سبباً قاد إلى اعتذار استاذ الاقتصاد الفرنسي صاحب أكثر كتاب اقتصادي مبيعاً حول العالم 2014 «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» توماس بيكتي لاستلام أعلى وسام فرنسى «غوقة الشرف» الذي ترشح له بمعية نظيره الاقتصادي الفرنسي الآخر الحائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية استاذ الاقتصاد جان تيرول، فالدولة الفرنسية لا تفيه حقه بمجرد وسام.على الرغم من تبني الاقتصادات الغربية نظام الرأسمالية باعتمادها على الفرد كهدف ووسيلة لتنمية الاقتصاد إلا أن ما يحدث في فرنسا يعطينا مثالاً حياً بأن تلك مغالطة ليس لها مبرر للاستفادة من عقول نابغة وإعطائها فرصة في تنمية الاقتصاد، فهذه العقول تحوي بالاضافة إلى عبقريتها، انتماء وطنيا يجعلها تعمل بلا كلل من أجل الوطن وأجيال قادمة، ولكن ميزان السياسة دائماً يتفوق.