درس تفاعلي في المسجد!
أرى أَنَّ مَن لم يتطوّر فهو- بالضرورة- يتدهور، وقد اعتمدتُ هذا في كل ما يوكّل إليّ بحسب قدراتي المحدودة، وفهمي المتواضع، مراعيا ألا أُخِلّ بأصل، ولا أغفل عن هدف، ولا أتجاوز مقصدا ولا حُكما. وبهذا أوصي جميع من يثق برأيي.تطبيقا لذلك أحكي تجربة أحسب أنها مفيدة، فلقد جرّبتُ تقديم درس اسمه: «فقه العبادات في خمس دقائق»، وكنتُ أؤكد أنها خمس دقائق فقط بعد كل صلاة مغرب في أغلب الأيام، مررنا خلال نحو عشرة أشهر على مهمات مسائل العبادات جميعا، وقدّمتُ أو أخّرتُ بعض الدروس تبعا لقُربِ مواسم الطاعات الجليلة. ولقد لَقِيَتْ استحسانا وتواصلا، حتى كنت إذا أوقفتها أياما لإجازة أو عارِضٍ، تواصل معي عدد لإكمالها، ولله الحمد.أما بعد، ففي تطوير لهذه التجربة ( تَبَعَاً لِما سبق في صدر المقال) ومع مَا مَنّ الله تعالى عليِّ به مِن الإمامة والخطابة في مسجد أَعُدّ جماعته بحق من خيرة الرجال، ومعادنهم مِن أطيب المعادن- بارك الله فيهم ولَهُم جميعا- ومن فترة لأخرى يتواصل معي نابهون منهم لأنهم لَحَظوا ملحظا في صلاة بعض المأمومين، أو تصرفاتهم المتصلة بالحضور لصلاة الجماعة، وفي الأيام الأخيرة تتابع عدد منهم؛ فخطرت ببالي تجربة «درس تفاعلي» متعلق بالملاحِظ على الصلاة من مخالفات وأخطاء، ووجدت لذلك أصلا في الشريعة؛ فاستعنتُ بالله تعالى وأقمتُ الدرس الأول، وصدّرتُه بتذكير بأنه آنَ لِكُلِّ مَن يَرغبُ من الجماعة الكرام أن يُوصِلَ صَوْتَه (فيما يتصل بمَلاحِظِه على صلاة إخوانه) فإني أستمع، وأوجِّه أو أصوَّب، أو أنقل ملحظه كما هو إن لم يكن بحاجة إلى تصويب أو تحرير.وأخبرتهم أني سأنبّه لأمر مهم استثمارا للدقائق الأولى حتى يستجمع الأفاضل ويُعدِّوا للمشاركة، فنبّهتُ على أن من المتسرعين في الحديث أو الوعظ أو الكتابة من يسمي بعض الأعمال : «مخالفات»، و «أخطاء»؛ في حين أنها أقوال لأئمة من الفقهاء من صدر الإسلام إلى اليوم، ومن الخطأ حين أخالفها أن أسميها أخطاء ومخالفات، وهي أقوال معتبرة تحت مظلة الدليل، ويمكن أن يذكر أن ما يقدِّمه هي الأقوال الراجحة، أو الأَحَظّ بالدليل في نظره، أو ما رجّحه الإمام ابن باز- رحمه الله- مثلا، أو نحو ذلك.وبعد التنبيه توالى طلبة العِلم، والمثقفين، والعامة لِذِكْر ملحظ مِن كُلِّ منهم، وأنا أنسق المشاركات، وربما استوضحتُ، ثم أيَّدتُ الصواب منها- وهو الأعم الأغلب-، وصوّبتُ ما كان في قليل منها من خَلل، وتوالت التنبيهات والملاحظ القيّمة، وتحرك بعض المُصلين مقتربا على نَحْوٍ وبِعَدَدٍ لم أشهده مِن قَبل!وأصبح أحدهم يطلب الإذن لِيُنَبِّهَ على خطأ إلحاح البعض على المؤذن لسرعة الإقامة، أو انكشاف بعض العورة عند لبس بعض الملابس، أو دخول المسبوق دون إحرام بتكبيرته، أو رفع القدمين أثناء السجود، أو الاكتفاء بملاصقة الجبين دون الأنف في حال السجود...إلخ، وأسمع وألحظُ استحسانا من فئة، وتحمّس للمشاركة من آخرين... وهكذا مرّت الدقائق بسرعة وتفاعل، وكان عملي هو تحرير الملحظ وبيان الصواب أو الراجح بالدليل بإيجاز.وفي «التغذية الراجعة» وجدتُ ثناءً على الفكرة، ودُعاءً، وطلبَ تكرارٍ، ومُسارعة بإيصال الملاحظ خشية عدم الحضور في درس لاحق، كما لم أَشْهده منذ أن توليت الإمامة والخطابة.فهذه تجربة متواضعة، يمكن البناء عليها دون توسع مذموم لا يليق بالمسجد، بل بمثل هذه الكيفية، وفي موضوعات مهمة للعامة وواضحة كأحكام الطهارة والصلاة وأصول الدين من توحيد وبقية أركان الإيمان، والمعاملات المحرمة بالإجماع، دون تعرّض لموضوعات دقيقة أو مُشكلة، أو لا يناسب طرحها بهذه الطريقة..وبهذه المناسبة فإني أُحذِّر من «التفلسف» في الشعائر، وبخاصة خُطبة الجمعة، فليس شيء من الشعائر محلا للتوسع، ولا للتفنن إلا وفق ما ذكره علماؤنا واستقرّ عليه الأمر، أما الكلمات والدروس القصيرة؛ فأمرها فيه بعض السَّعَة، بشرط أن يقوم على ذلك طالب عِلم متمكن من جهة معرفته بما يطرح، ومن جهة قُدرته على التفاهم والتفاعل وإدارة الحوار.وأرجو أني لم اُدِنْ نفسي عند متربص بما كتبتُ في هذا المقال، فإن كان من متربّص؛ فرسالتي له هي: قُل لي ما تريد وأبشر به فوراً، دون تصيّد ولا إشغال لعزيز وقتك. (إنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).