د. محمد الغامدي

رأس الدِّيك.. وصاحب المسألة الواحدة

تحكي الأسطورة أنَّ رجلا أَكْمَه (وُلِدَ أعمى) أبصر لحظة واحدة فقط ثم عاد إلى العمى والسواد مُجَدَّداً. وكان من ابتلاء الله تعالى لكل من يعرفه أو يُعايشه أنّه رأى في لحظة الإبصار تلك رأس دِيك!فكان بعد ذلك يُشغل كل من حوله بتلك الرؤية الخاطفة، فإذا سمع أحدا يذكر إحدى القارات، قفز قائلا: أين هي مِن رأس الديك؟ وإن ذُكِر عِنده إناء أو بِناء قال: هل يُشبه رأس الديك؟... وهكذا أصبح يُشْغِل ويُشْعِلُ مَن حوله لأنه لم يبصر إلا منظرا واحد جزئيا في طول حياته. فما أشد تعاسته وتعاسة من يُبتلى به!لعلك تصطدم يوما– أيها القارئ العزيز– بعريض قفا يقتطع عبارة منك، أو يطالعها في حساب اجتماعي لك؛ ليصوغ منها (على طريقة الكهنة والعرّافين) مذهبك وتوجهاتك وحتى مصيرك!فإن لم يجد شيئا من ذلك، أو كان لا يعرفك أصلا فسيتطوع بطرح سؤال من مِثل هذه السؤالات:- كيف تنزل للسجود؟ على اليدين أم على الركبتين؟- ما رأيك في فلان؟- هل تتابع في تويتر حساب فلان؟- هل قرأت كتاب كذا؟- هل تحب (أو تبغض) فلانا؟ونحوها من السؤالات التي يمكن أن تكون مقبولة في سياق ما لولا أن صاحب «رأس الدِّيك» ينتظر جوابك ليُصنّفِك، أو يبدّعك، أو يستحل دمك أو عِرضك، أو يجزم بخيانتك للوطن، أو بأنك خلية نائمة لفكر ظهر في إحدى جُزُر الكاريبي!إنه نوع كَريه مِن البَشَر، أفسدوا الأديان، وخرّبوا الأوطان، وفرّقوا الخِلان. وفوق هذا فإنّهم يستهلكون جهودا مهمة في غير بابها، ويُحْرِقون هِمَمَا بإبطال جُهْدِها، ويئدُون الأفكار في مهدها.تجد أحدهم وقد تعلّم مسألة (أو هكذا يَرى نفسه)؛ فأشغل بها نفسه وكَلِفَ بها كَلَفَ الأحمق الجهول. فإن كانت مِن الدِّيْن جعلها أوّله وآخره، وكانت هي الفرقان الذي يميّز المتمسك من المخالِف، والمُحق مِن المُبطل وربما الكافر مِن المُسلِم مهما كانت فرعية أو حتى كان تصوره لها خاطئا مِن أصله. وإن كانت مما يتصل بالوطن جعلها حَدّاً بين المواطن الصالح والطالح، وبين الأمين والخوّان! ومِن توجهات الجهل الرديئة هذه خرج علينا فِكر الإقصاء والتبديع وتخوين المجتمع إلا خمسة أو عشرة، واستشرت الحزبية والمُفاصلة على فروع صغيرة، وتشبث أغرار بفكر يكفّر المجتمع وقادته وعلماءه.. الخ.إن أسوأ أنواع التعامل مع هذه الفئات هو أن تَرُدّ على توجه منها أو اثنين أو عشرة وتنفر منها جميعا، ثم تتعامى عن «توجهك المُفضّل» من بينها، وتستعمل معه ما تدعي أنه حِكمة وسعة بال وأفق، وأنت تحرِم منها البقية ممن هم على نفس الخطأ، وبنفس الضحالة والعسف لمجرد أن ذاك التوجه وافق هوى في نفسك!إن العاقل إذا فعل ذلك- وبخاصة إذا كان طالب عِلم يُعتدّ بقوله، أو مسؤولا أُنيطت به أمانة ووُضِعَت فيه ثِقة-؛ يكون قد كرّس سوءًا، وأطال أَمَد شَرٍّ، وأسهم في الإضرار بوعي الناس على نحو ما يُسببه بائع المخدرات ومروِّج حبوب الهلوسة! أخطر ما في الأمر أن يتصوّر مسؤول أو عَالِم أو جِهَة أن أمثال هؤلاء الغوغاء مسلوبي الحياء يمكن أن يكونوا سَنَداً أو عَوْناً، أو أنهم بتقحمهم الذميم هذا وتصنيفهم للناس تحت غطاء الغيرة الدينية أو المزايدة على الوطنية يمكن أن يعوّل عليهم في شيء.إن الجهل ليس إجراما في ذاته ولا مخالفة، لكن التحالف مع الجهل هو المشكلة، وتسليم بعض الوعي لهؤلاء برميل بارود يمكن أن ينفجر في وجه مَن يتعامل معه!لقد أصبح بعضنا يترحم على زمن الجهل الوديع لمّا عاش في زمن الجهل ذي المخالب والأنياب!