الخوف وكاشفات الوجوه
يتبارى كثير من الناس في ارسال كل ما يقع تحت أيديهم من تفسيرات الاختلافات المذهبية في مسألة كشف الوجه للمرأة ، ويتنادى أقوام برفض جرأة الشيخ أحمد الغامدي ؛ تلك الجرأة التي لم تكن على الدين، بل على المجتمع وأعرافه المستحدثة في سنوات الصحوة التي كانت قد صحصحت في جانب ، ودخلت وأدخلت الناس معها في غفوة أو غيبوبة طويلة حين حاصرت المجتمع بالممنوع والحلال والحرام بما ليس في الدين ؛ بل في العقول المغلقة التي انتقلت عدواها إلى كثير من السذج الذين لم يفتحوا كتابا ولم يتأملوا آية. فقد تركوا تلك المهام لغيرهم وقعدوا ينتظرون ما يحللون ويحرمون، ورغم تغير الاحوال وانكشاف الاقنعة عمن مرروا فتاويهم التي تأولوا فيها، وضيقوا واسعاً فأصيب الناس بالاختناق من جانب والخوف من جانب آخر . إلا أن أتباعهم مازالوا يرتبكون من كل جديد ويبحثون عن ملاذ جديد.. شخص جديد .. متشدد جديد ؛ ليحميهم مما لا تستوعبه عقولهم في ذلك التغير الذي لم يألفوه ولا يريدون أن يألفوه . حين تابعت ما قيل عن الشيخ الغامدي في الصحف ووسائل الاتصال كافة كنت أدهش مرة بعد مرة من قدرة المجتمع على تصدير هذه الكمية من الكذب والتناقض المكشوف لمن يقع فيه قبل أن يكون مكشوفا لمن يتابع . ففي اللحظة نفسها قد تصلك تنبيهات ودعوة لرفض أحمد الغامدي قولا وعملا وبعد ثوان قليلة تصلك من الشخص نفسه إشادة وإعجاب بسيدة من هنا أو هناك مصحوبة بسؤال الله أن يوفقها ويعينها وينصرها ويرفق ذلك بصورة تلك السيدة التي تكشف وجهها!! أمر عجيب حقا ان نرضى ونقتنع بما يفعله غيرنا ونراه صوابا لا يجانب الدين، بل نفاخر به أحيانا ، ثم نمنعه ونرفضه ونسخر منه عندنا !! لقد وصلنا إلى مرحلة علينا فيها أن نرثي لحالنا ونحزن على حال عقول كثير منا، وعلى تخوفهم من الاعتراف بما يعايشونه من تناقض يعارض حتى كتاب الله! وعلى تحريض بعضنا لبعضنا كي يتركوا الحق ويلتمسوا الباطل الذي تعاظم بناؤه بالشك وظن السوء حتى صارت موضوعاتنا الاجتماعية تشعر كثيرا منا بعدم الانتماء للعالم الذي نتواصل مع سكانه من أقصى الأرض إلى أدناها. نتعامل معه جميعا المتشدد منا والمتوسط .. العاصي والعابد المتبتل، لكن ذلك التعامل لا يمتد إلينا بما هو صائب فيه لأننا نخاف من بعضنا بشدة ويرعبنا أن نفكر في معالجة الخوف فانقسمنا إلى قسمين: قسم من الذئاب وقسم من الماعز!! ولا أقصد هنا بالذئاب الرجال فقط كما لا أقصد بالماعز الاناث فقط، فالذئاب خليط من الذكور والإناث، وكذلك الماعز .. تلك الذئاب إناثها وذكورها تفترس الآخرين بعنف غريب في القول والعمل وبكل وسيلة ممكنة وهذه الافعال كلها تخرجنا عن دائرة السلوك البشري السليم وتجعلنا نتطاول على الآخرين بحجة الدين!! كيف، ونحن نسيء للدين في كل ما نمارسه من بشاعة تجاه الآخرين حين نفجر في الخصومة بهذا الشكل الذي جعلنا دون غيرنا نذرع شوارع التغريد بالسب والشتم والقذف وبعمل كل محرم ورد فيه نص قرآني واضح مقابل الفوز في معركة ما لم يرد فيها نص محدد. وفي الوقت الذي يواصل أحدهم شن الهجوم على الشيخ الغامدي قد يكون يجوب الاسواق ويدخل المستشفيات ويتوقف في الشوارع ويرى كثيرا من النساء كاشفات وجوههن ولا يعنيه ذلك الامر ولا يلتفت، لكنه يهاجم الغامدي لان الخوف الذي عشش في عقله من الجرأة على المعارضة ورفض الطوق الاجتماعي الذي صنعه بعضهم هما السبب في ذلك التعنت. فالذين قالوا نحن لا نرفض ما جاء به الغامدي، بل نرفض جرأته على المجتمع الذي اعتاد على حال معين فكيف يعارضه فجأة ؟ أولئك معظمهم لهم زوجات وبنات يكشفن عن وجوههن!! أليس هذا غريبا ؟! أليس من العار أن يصدح بعض المتعلمين والمثقفين والتنويرين بمثل هذا الرأي؟! هذا الرأي الذي يؤكد الخوف، ويؤكد أنه الذئب الكبير الذي يتجول حولنا وفينا ولا يسمح لنا بالتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في طريق القضاء على كثير من سقطاتنا الاجتماعية والانسانية.