تطوير منظومة العمل الخليجي
دعا إعلان الدوحة الصادر عن القمة الخليجية التي اختتمت أعمالها في الدوحة الأسبوع الماضي إلى العمل على تطوير منظومة العمل الخليجي المشترك بكاملها، على نحو يكفل لها مواجهة التحديات المشتركة التي تتطلبها تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، ويجعلها تسهم بفعالية في رسم مستقبل أفضل لشعوب دول المجلس.وهذا الإعلان يعيدنا مرة أخرى إلى الدعوة التي اطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود قبل أزيد من عامين للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، حيث قررت القمة الخليجية آنذاك تشكيل لجنة لتقديم مشروع متكامل حول هذه الدعوة لكن للأسف لم نسمع أو نقرأ عما توصلت إليه وماذا قررت بشأنه. وتنص المادة الرابعة من النظام الأساسي لدول مجلس التعاون الخليجي التي تحدد أهداف المجلس على أن أحد أهداف مجلس التعاون الخليجي هو «تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها» ولكن النظام لم يوضح ما هي هذه الوحدة وهل ستكون كونفيدرالية أم فيدرالية؟والجميع متفق على ضرورة تطوير تجربة مجلس التعاون الخليجي، خصوصا أن مشاريع التقارب والتكامل المنصوص عليها في الاتفاقية الاقتصادية تشارف على نهايتها ونعني بذلك الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، وبالتالي، لا بد من توفير البيئة القانونية والرسمية للانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل.ووفقا لتجارب عالمية مماثلة يبرز أمامنا العديد من النماذج القانونية والسياسية للتكامل ما بين الدول مثل الفيدرالية أو الكونفيدرالية. والفيدرالية تعني الاتحاد الطوعي بين أقاليم تجمعهم أهداف مشتركة ومصير مشترك. ولم يتفق فقهاء القانون العام في العالم العربي على مصطلح موحد للمصطلح الإنكليزي State Federal، فهناك من يطلق عليها ((الدولة الاتحادية أو الاتحاد المركزي أو الدولة الفيدرالية أو الاتحاد الفيدرالي وغيرها من التسميات)) والفدرالية ليست حديثة العهد، إنها فكرة قديمة ولكن تطبيقاتها ظهرت للوجود في العصر الحديث في عام 1787 في أمريكا وفي أستراليا عام 1901 والمكسيك عام 1917، وسويسرا عام 1948 وتوجد في العالم اليوم أكثر من 30 دولة اتحادية.أما الكونفيدرالية فهو اتحاد بين دولتين أو أكثر من الدول ذات الاستقلال التام بعد عقد معاهدة تحدد الأغراض المشتركة التي تهدف الدولة الكونفدرالية إلى تحقيقيها، ويتمتع كل عضو فيها بشخصيةٍ مستقلة عن الأخرى وتديرها هيئات مشتركة تتكون من ممثلين من الدول الأعضاء لتحقيق الأهداف المشتركة، وهذه الهيئة تسمى الجمعية العامة او المؤتمر وأعضاؤها يعبرون عن رأي الدول التي يمثلونها، وتصدر القرارات بالإجماع، وتعتبر نافذة بعد موافقة الدول الأعضاء عليها.وهناك عدة فروق بين الدولة الفيدرالية والدولة الكونفيدرالية. فعلى سبيل المثال، في حالة هذه الأخيرة، يصبح لكل دولة عضو من أعضاء الاتحاد ممارسة السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الفعلي وإعلان الحرب. أما أعضاء الدولة الفيدرالية فلا يحق لهم ذلك ويكون التمثيل الدبلوماسي والسياسة الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية في الدولة الفيدرالية (الحكومة المركزية). وتشرف على الدولة الكونفدرالية هيئات مشتركة بين الدول الأعضاء، أما في الدولة الفيدرالية الحكومة المركزية هي التي تدير الدولة وتترأس أعضاءها. ومواطنو الدولة الكونفدرالية يتمتعون بجنسية بلدهم وليست هناك جنسية موحدة للدولة الكونفدرالية، أما مواطنو الدولة الفيدرالية فيتمتعون بجنسية الدولة الاتحادية الفيدرالية وهناك جنسية موحدة للدولة الفيدرالية عكس الدولة الكونفدرالية تتعدد الجنسيات بتعدد الدول. ويمكن القول في حالة التجربة الأوروبية إنها «منزلة بين منزلتين» للنموذجين المذكورين آنفا. ومن أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية. لكن تظل هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة لذا لا يمكن اعتبار هذا الاتحاد على أنه اتحاد فدرالي، حيث إنه يتفرد بنظام سياسي فريد من نوعه في العالم. وللاتحاد الأوربي نشاطات عديدة، أهمها كونه سوقا موحدة ذا عملة واحدة هي اليورو الذي تبنت استخدامه 13 دولة من أصل الـ 27 الأعضاء، كما له سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحدة.ويعتمد الاتحاد الأوروبي في بنيته التنظيمية على 3 أجهزة إدارية تعرف بما يسمى المثلث الإداري، وهي مجلس الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي.ويعتبر مجلس الاتحاد الأوروبي من أهم الأجهزة الإدارية في الاتحاد (على الرغم من تقليص صلاحياته لصالح البرلمان الأوروبي) ويقوم بتمثيل مصالح الدول الأعضاء على المستوى الأوروبي. وله صلاحيات واسعة ضمن المجالات المتعلقة بالركيزة الثانية والثالثة كالسياسة الخارجية المشتركة والتعاون الأمني لكنه لا يمكن أن يقرر في مسائل متعلقة بالركيزة الأولى إلا بناء على طلب من المفوضية الأوروبية.بينما تهتم المفوضية الأوروبية والتي مقرها بروكسل بمصالح الاتحاد الأوروبي ككل، مما يفرض على المفوضين الالتزام بذلك بغض النظر عن جنسيتهم والدول التي ينتمون إليها. وتمتلك المفوضية صلاحيات واسعة في المجالات المتعلقة بالركيزة الأولى، حيث يحق لها تقديم مقترحات القوانين والإشراف على تنفيذ القوانين المشتركة بوصفها المسؤولة عن حماية الاتفاقيات المبرمة. إذا نتوصل لنتيجة مفادها أنه لا يوجد نموذج جاهز لتبنيه من قبل دول مجلس التعاون، وعليها دراسة معطياتها الحضارية والثقافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الماضي والحاضر والمستقبل لكي تتوصل لنموذج منظومة التعاون التي تريد الانتقال إليها. وكما هو واضح من النظام الأساسي، فان مجلس التعاون الخليجي هو تنظيم وحدوي أقرب للكونفيدرالية منه للفيدرالية، فقد اتفقت دول المجلس على تحقيق الوحدة في الجوانب الاقتصادية بشكل أساسي، لكن لن يكون نفس الموضوع بنفس الدرجة في الجوانب السياسية، بل أن كل دولة سوف تحتفظ بسياساتها وجيوشها الخاصة في إطار من التنسيق والتعاون. لقد كان ميلاد مجلس التعاون لدول الخليج العربية نبتا لعمل وحدوي خليجي في المستقبل، يتوقف نموه وصلابة عوده، على قوة مسيرة مجلس التعاون وما حققه من انجازات منذ انشائه حتى اليوم على طريق التكامل بين اعضائه. ان الهدف الوحدوي لدول مجلس التعاون لم يكن غرسا لهذه الأرض الخليجية فحسب بل كان ومازال وسيظل ثمرة وهدفا لهذه الدول مجتمعة في مجلس واحد، نص نظامه الاساسي في ديباجته وفي مادته الرابعة على ان من اهدافه تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الاعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها.