د. فالح العجمي

المنتخب الذهبي

لم أتحول إلى الكتابة في موضوعات الرياضة، لكن قضية كرة القدم السعودية، وخاصة أمور المنتخب الوطني أصبحت شأناً عاماً يهم عدداً كبيراً من شرائح المجتمع. ففي السبعينات الميلادية كانت الجموع تهب لمشاهدة مباريات المنتخب في دورات الخليج، حيث لم تكن هناك مسابقات أخرى يشترك فيها المنتخب السعودي. وكذلك كان الأمر في الثمانينات، بعد أن تكوّن ما يُطلق عليه في التاريخ الكروي «المنتخب الذهبي»، والذي فاز بكأس آسيا، وأصبح رقماً صعباً في النهائيات الآسيوية. وقد لمع نجم المدرب السعودي الكابتن خليل الزياني آنذاك، لكنه -للأسف- لم ينل التقدير، كغيره من المدربين السعوديين الذين يؤتى بهم للطوارئ، وإذا حققوا بطولة أو مركزاً متقدماً كثر الثناء عليهم لفظياً، وإن خانهم التوفيق في مباراة أو دورة انهالت عليهم وعلى من وضعهم مقالات اللوم والتقريع، مطالبين بمدربين عالميين. حسناً أتى الاتحاد السعودي بأعظم مدربي العالم خبرة وتاريخاً؛ من زاجالو إلى كارلوس بيريرا، ممن قادوا المنتخب السعودي في دورات إقليمية وقارية وفي كأس العالم، وكان الإخفاق كبيراً مقارنة بما حققه الزياني أو الخراشي أو ناصر الجوهر في بعض الدورات، وإن كان الصبر عليهم لا يتجاوز الأشهر، كما أن معرفة اللاعبين وإداريي المنتخب بأن وضعهم مؤقتا يجعل اللاعبين لا ينفذون أوامرهم ولا يثقون بهم، ويجعل الإداريين يتدخلون في قراراتهم، فيكظمون الغيظ لئلا يغضب الكبار الذين يريدون الوئام الظاهري في قيادة المنتخب على أقل تقدير. ذهبت سلطة رئاسة الشباب على المنتخب، وتولى اتحاد كرة القدم المهمة، وكان يفترض أن تتغير الصورة، لكون أعضاء الاتحاد من الوسط الذي عايش صعود مستويات المنتخب وهبوطها. لكن الآلية بقيت هي نفسها؛ تولى المدرب الهولندي ريكارد قيادة المنتخب. وكان فشل هذه الحقبة بصورة لا مثيل لها في تاريخ المنتخب السعودي، رغم الإمكانات الهائلة التي وضعت تحت تصرفه. وقد تأكدت الأخبار، بأن الاتحاد السعودي لكرة القدم مدين للمالية بمبلغ 90 مليوناً، هي مستحقات هذا المدرب الذي كان المنتخب قد هبط تحت قيادته إلى مستوى متدن جداً. انتهى عهد ريكارد، وتسلم القيادة لوبيز بإمكانات أقل من ريكارد، لكنها أعلى كثيراً مما كان يوضع تحت تصرف المدربين الوطنيين سواء من الأموال والإمكانات (المباريات الودية والمعسكرات وتعيين المساعدين الذين يختارهم المدرب الأجنبي)، أو من مساحة القرار في اختيار اللاعبين والخطط والعقوبات على اللاعبين. ألم تدرك إدارة المنتخب في عهد الرئاسة أو في عهد الاتحاد، أن العلة لا تكمن في درجة عالمية المدرب وشهرته وخبرته؟ لا بأس في السبعينات ربما كنا نحتاج إلى أجانب لقلة أصحاب المعرفة الفنية في الداخل السعودي، لكن بعد توافر الكوادر الفنية المخلصة (وهذا أهم شرط من شروط نجاح القيادة) والمتفهمة لأوضاع اللاعبين ونفسياتهم، والمتحدثة نفس اللغة، لم يعد الأمر مقبولاً أن تعتمد أي جهة تشرف على منتخب وطني تجاهل الكوادر الوطنية. ألم تفكر أيضاً تلك الإدارات في أن مشكلة التردي، وعدم الثبات على مستوى واحد، حتى في أيام تحقيق بعض النجاحات، ربما يعود إلى ثقافة اللاعب السعودي التي تحتاج إلى دراسة وتقنين، لكي لا ينطفئ النجم الذي يبرز فيه بعد فترات وجيزة، قياساً باللاعبين على المستوى العالمي، وربما كانت للعادات الغذائية والسلوكية دور في ذلك. وقد قال أحد أولئك الأجانب عندما استغرب من تراخي بعض اللاعبين في مباراة رسمية للمنتخب: «لا أعلم كيف يمكن ألا يبذل لاعبوكم كل ما لديهم وهم يمثلون بلادهم».. لكنه لا يستطيع المزيد!