حبيبتي من تكون؟
ساكنة فينا منذ الصغر، لم نتعب من مطاردتها أنا ورفقاء الدرب في الحارة والمدرسة. عشقنا صورتها، فكانت لنا مائدة الإفطار صباح كل يوم، لا نستطيع الذهاب إلى المدرسة إلا بعد استراق نظرة خاطفة إلى جدائلها الفاتنة، ورموشها التي تكتب بأكثر من لون في وجهها الحاني. ونذوب أكثر عندما تخط في ذلك الوجه لونا أحمر، حينها نستشعر أن هياما كبيرا قد حدث أو سيحدث. ما زلت أتذكر طفولتي وشقاوتي معها، فهي التي حرمتني الأكل في فسح المدرسة أيام الأسبوع لتوفير مصروفي من أجل اللقاء بها. وما زلت أتذكر توبيخ المدرسين لي عندما كنت أختلس الوقت في بعض حصصهم المملة، لتتمتع عينايّ بصورتها وتفاصيلها وأحرفها وكلماتها، وأعيش معها في هيام القلب والعقل معا. كم أتعبتني هذه الجميلة وأنا بعيد عنها، وكم أرهقتني وأنا قريب منها، فلم أسلم من حبائلها وفتنتها، لا في البعد ولا في القرب. لم يدر بخلدي- يوما ما، وأنا النحس في تحقيق أحلامي في هذه الدنيا- أن جميلة الجميلات في نظري وسني لم يبلغ العاشرة سأكون ضمن عالمها، أدور في فلكها واستنشق هواها، وأتنفس منها حرفا، وأكتب فيها شعرا، وأصبغ على جبينها نثرا. صوتها يناديني في صحوي ومنامي، أدمنتها حتى أصبحت كل حكاياتي، فهي الوسادة التي أنام على صدرها، والضوء الذي ينير لي الطريق، والحبيبة التي لو اطلع نزار قباني على ما في قلبي لها لأعطاني راية العشق في الحرف والكلمة، وسلمني- باعتباري قيسا- شرعية الجنون في ليلى، وقلدني- باعتباري عنترة العبسي- وسام التضحية لعبلة. كثر المحبون حولها، وهي تحتفل بقدومها إلى الدنيا، لم تغير فيها السنون رونقها، ولم تخدش جمالها، فهي التي أظهرت مفاتنها دون مكياج، ولم تتلبس جمالا خداعا، بل فضلت أن تبقى جميلة الجوهر لا المظهر. ما زلت أرى فيها لوحة الفنان سيلفادور دالي، وحنجرة العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وشعر نزار قباني، والموسوعة التي غازلها قلبي وعقلي وأنا أحبو في تعلم أبجديات العشق في القراءة والكتابة. من أجلها كتبت الكثير، وتطفّلت على الشعر، ولست بشاعر من أجل إرضاء غرورها، وغزوت الرومانسية وأنا فارس غوغائي لا يجيد لغة الحب، لكنني خضعت لأوامرها. لا تلوموني إذا فقدت وقاري في وصف معشوقتي، فهي التي علمتني كيف أكتب الحرف في سحر بلاطها العامر بدفء المشاعر والأحاسيس. لا تلوموني إذا أعلنت للملأ هيامي بها، وهي تتزين في أجمل حلتها هذه الأيام، فأنا السائح وهي المنظر الخلاب الذي جعلني لا أرى جميلات أخريات مثلها رغم كل الإغراءات لتركها. معشوقتي ياسادة.. سأعلن في مقال الغد عنها وعن عمرها ونسبها ومدينتها وأهلها.