هناء مكي

اصنع مشروعك

هناك حكمة صينية أعجبتني، تقول «لا تقف بجانب النهر وتأمل في الحصول على سمك، عد لبيتك واصنع شبكة صيد»، هي الحرفة التي تصنع الفرص، لا تأتيك الفرصة مع هبة الرياح، إنها تأتي المجتهدين دائما.لطالما آمنت بأن النمو الاقتصادي يأتي من الصناعة، فهي أم الاقتصاد، ومنها ينمو ما هو في فلكه، ولا أقصد بها المصانع الكبيرة والآلات الضخمة، إنما الموهبة والحرفة التي يمتلكها كل مبادر، شجاع، مبتكر، مقتنص للفرص وصانع للفكرة، وبهذه الصفات يمكنه أن يشكل مستقبله كما يتمنى، الأهم ألا يقف بجانب البحر ويندب حظه «لو كانت لي صنارة لاصطدت أكبر الأسماك» فهذا تمني الفاشلين.في بدايات عملي الصحفي، أجريت مقابلة مع سيدة الأعمال البحرينية منى المؤيد، أهدتني حينها كتاباً يؤرخ سيرة والدها المرحوم يوسف المؤيد، كتبته أختها سلوى المؤيد، لفتني في الكتاب بدايات التاجر الكبير والمعروف، إذ اعتمد على نفسه منذ كان في السادسة من عمره، فراح يدخر «الآنات» –العملة النقدية البحرينية الدارجة في ذلك الوقت- التي كانت مصروفه اليومي في «حصالته» ففطن إلى فكرة اعتقد أنها «نابغة» لشخص بسنه، بعد أن كثرت أسئلته لصاحب دكان قريب من مدرسة الهداية التي كان يدرس بها، يقول في الكتاب» سألته -يقصد صاحب الدكان- لماذا تبيع الحلوى والفول السوداني، فأجابني: لكي أحصل على روبية أو ربيتين كل يوم، أنفقها على أسرتي. وكيف يمكنك الحصول على هذا المبلغ عندما تشتري الحلوى والفول السوداني من السوق ثم تبيعه علينا؟، فأجاب: اشتري بضاعتي ثم أضع عليها الفائدة التي أريدها ثم أبيعها وأحصل بذلك على المبلغ»، من هنا فطن إلى التجارة، فما كان منه إلا أن ابتاع حلويات وعلبة من الشوكولاته والفول السوداني المحمص وحب اليقطين المملح، وفرش ما ابتاعه على بساط من قماش بالقرب من منزله؛ ليبيعها على أطفال العائلة والحيّ، فكان يضع ما يجنيه في حصالته من جديد، على الرغم من أنه ابن عائلة ثرية.هكذا يبدأ الكبار صنع سلالمهم؛ ليرتقوها بخطوات ثابتة ومدروسة، إنه الجد والاجتهاد والرغبة التي تجعل من الحلم ممكنا، ليس هناك ما يُخجل من بدايات واهنة لتحقق بها حلمك وطموحك وترتقي وتتحول من فرد نكرة إلى إنسان مشهور بالنجاح، فتصنع مشروعك وذاتك معاً.إذ لم يكن مخترع «اللاب توب» ومؤسسة شركة آبل، ستيف جوبز، إلا لقيطا كان يعمل في الإجازات ليكسب لنفسه، وساعده حبه وشغفه بعالم الإلكترونيات، فبدأ العمل مع شركة «أتاري» حتى انتهى بتأسيس شركته المعروفة.هناك قصص يخلدها التاريخ لأناس مجتهدين، فلا فرق أن تكون غنيا أو معدما إن كانت تنقصك الموهبة، والأهم المثابرة والاجتهاد، أنت لا تحتاج إلى فرصة فالفرصة تأتيك ساعة ما تريدها، إنما تحتاج إلى شجاعة لتخطو الخطوة الأولى.