حسن العالي

حوار المصدّرين والمستوردين للعمالة الأجنبية وقضايا سوق العمل

شهدت الأسابيع الماضية العديد من التطورات الهامة فيما يخص أسواق العمل الخليجية استوجبت العودة لهذا الموضوع. وأولى هذه التطورات عقد اللقاء الوزاري التشاوري الثالث للدول الآسيوية المرسلة والمستقبلة للعمالة (حوار أبو ظبي 3) في دولة الكويت الأسبوع الماضي، حيث لا تزال الدول المرسلة تمارس ضغوطا بأساليب مختلفة لتحسين أوضاع رعاياها من العمالة الوافدة وتسعى لفرض شروط غير مقبولة. في المقابل، تسعى دول المجلس لاتخاذ عدد من الإجراءات التي تحمي مصالحها في مواجهة تغوّل شروط الدول المصدرة للعمالة، ومنها وضع سقف زمني على فترة بقاء العمالة الأجنبية وخاصة غير الماهرة. كذلك الاتفاق على العقد الموحد للعمالة المنزلية وإلغاء الضمان البنكي للدول المرسلة للعمالة والمحدد بـ 2500 دولار للشخص، من منطلق رفض اي قيود تعيق حركة العمالة المنزلية، ولاسيما أن منظمة العمل الدولية لا تفرض أي قيود على حركة العمالة.بالتزامن مع تلك التطورات، جددت الهند إعلانها عن خططها لرفع سقف مطالبها فيما يتعلق بأجور عمالها في دول الخليج، حيث تقدر عدد عمالتها في دول المجلس بنحو 5 ملايين عامل، أي ما يزيد عن ربع مجموع العمالة الأجنبية في هذه الدول.كما أصدرت 90 منظمة حقوقية منها العفو الدولية، بيانا تطالب فيه دول الخليج بإلغاء نظام الكفيل المثير للجدل، والحفاظ أكثر على حقوق العمالة الوافدة، ودعا البيان المنظمات الدولية والحقوقية التي لديها أي ملاحظات على أداء دول مجلس التعاون بشأن العمالة الوافدة، التقدم بها الى منظمة العمل الدولية لمناقشتها، ومن ثم يتم ابلاغنا بها رسميا. وفي الحقيقة فإن هذا البيان يندرج في إطار الحملة الدولية ذاتها.ووسط هذه التصريحات والتصريحات المضادة، يتفق معظم المراقبين على أن بعض دول الخليج العربية، ما زالت غير مهتمة بالقضية السكانية ومستمرة في طلب العمالة الآسيوية، بل تعدّى ذلك إلى القيام بحملات ترويجية وتشجيعية على البقاء والاستقرار للمقيمين والاستقطاب للعوائل للإقامة الدائمة، وذلك من خلال عروض التملك للأراضي والمشاريع العقارية. وهذا بالطبع سيمثل عامل توتر في مستقبل المنطقة، والدليل على ذلك ما تشهده المنطقة من أنماط للتنمية ترسخ الاستقرار الدائم للعمالة الوافدة بخاصة العمالة الآسيوية، وهذا ما تشير إليه الدلائل والمؤشرات الاقتصادية التي تؤكد اتجاه الآسيويين إلى الاستثمار في القطاعات الصناعية والسياحية والعقارية وتوجيه قوانين الشركات لتلبية احتياجاتهم. ويقول الدكتور محمد إبراهيم منصور أستاذ القوى العاملة والموارد البشرية في جامعة الإمارات: المسألة ليست كما يتصورها ويتخيلها البعض من أن العمالة الآسيوية أو غيرها، عمالة مؤقتة تأتي بغرض تنفيذ مهمة محددة وتنتهي، إن القضية ليست بهذه البساطة، وإن طبقت على فئة محددة على بعض الشرائح الجديدة للمهاجرين، فهناك شرائح كثيرة تجذرت واستقرت وتوالدت وتكاثرت وأصبح لها كيان اجتماعي يعززه حجمها ونفوذها الاقتصادي والدعم السياسي الخارجي لها من دولها أو من خلال الالتزامات الدولية لدول الخليج العربي تجاه المجتمع الدولي. لذلك من المتوقع أن يحدث تأزم كبير في العلاقات الصناعية بين العمال وأرباب العمل في دول الخليج في السنوات المقبلة لكون هذه الدول تجاهلت لمدى زمني بعيد متضمنات تلك العلاقة.إن معايير العمل الدولية الجديدة تتضمن مساواة العمالة الوطنية والأجنبية في البلدان النامية في كافة الحقوق، كما يتضمن الطلب من هذه البلدان إصدار إعلان يقرر احترام الدول الأعضاء في المنظمة، للحقوق الأساسية للإنسان المتمثلة في الحرية النقابية والمفاوضات الجماعية وحظر العمل الجبري وعدم التمييز والحد الأدنى للسن، وكذلك قيام المنظمة بإجراء تقييم شامل لواقع الجهود التي تبذلها كل دولة عضو، لترجمة التحسينات الاقتصادية الناتجة عن تحرير المبادلات إلى واقع اجتماعي أفضل، والأهم من ذلك إصدار علامة اجتماعية عالمية تمنح للبلدان التي تلتزم بمجموعة هذه المبادئ والحقوق الأساسية والتي تقبل إخضاع ممارساتها لعمليات تفتيش دولية بحيث يكون من حق كل دولة من هذه الدول منح المنتجات المصنوعة على أرضها حق الانتفاع من العلامة الاجتماعية العالمية المقترحة شريطة أن تقبل هذه الدول الالتزامات الناشئة عن ذلك وأن تخضع لشروط التحقق في الموقع.غير أن الأهم من ذلك كله– كما يتفق الكثير من الخبراء الاقتصاديين الخليجيين– أن إثارة موضوع العمالة الوافدة يأتي في وقت تتفاقم فيه مشكلة البطالة الهيكلية في دول التعاون، حيث إن معظم الوظائف المعروضة غير موجهة للعمالة الوطنية بقدر ما هي موجهة للعمالة الأجنبية بسبب خلل هيكلية الأنشطة الاقتصادية. كذلك الحاجة إلى إيجاد الوظائف لمئات الآلاف من الشباب الداخلين إلى أسواق العمل في دول مجلس التعاون سنويا، ويحذر هؤلاء من الآثار السلبية المتعاظمة لهذه المشكلة حيث تتراوح نسبة البطالة بين المواطنين بدول التعاون ما بين 7 و15% بينما نسبة العمالة الأجنبية في بعض دول الخليج تصل إلى 80% من إجمالي قوة العمل.من هنا، بات من الضروري قيام مجلس التعاون الخليجي بوضع إستراتيجية تعاونية شاملة ومتكاملة تشتمل على الخطط الزمنية والإجراءات العملية ذات الرؤية الواضحة والجادة في التنفيذ، تستهدف الحد من تدفق العمالة الوافدة وإحلال وتوطين العمالة الوطنية بدلاً منها. ويشتمل ذلك الاهتمام على أساليب تخطيط القوى العاملة وربطها بخطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقـًا لأولوياتها المستقبلية. كذلك تكوين أجهزة متخصصة في وزارات العمل في دول مجلس التعاون الخليجي لتجميع إحصائيات سوق العمل والمعلومات المرتبطة بالموارد البشرية، والربط الالكتروني بين هذه الأجهزة بما يسهم في التعرف على حركة العمالة الوافدة بين دول المجلس واتجاهاتها ومعدلات نموها خاصة مع قيام السوق الخليجية المشتركة.كما أن على دول التعاون مجتمعة، إعادة النظر في القوانين والتشريعات ونظم العمل الخليجية بما يسهم في إحلال العمالة المواطنة محل العمالة الوافدة. كذلك تنسيق مزايا العمل والضمان الاجتماعي في القطاعين العام والخاص بما يشجع العمالة الوطنية للعمل في أنشطة القطاع الخاص، وبالتالي تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في هذه الأنشطة. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/214f4914562f7f5886ee5f9e212e8ee8_5.jpg) دول التعاون تسعى لحماية مصالحها في مواجهة تغول شروط الدول المصدرة للعمالة