د. فالح العجمي

كانت مبادئ فلسفية صارمة وراء نجاح هذا النموذج

قد لا يعني لكثير من القراء اسم فيكتور أوربان شيئاً؛ فهو غير معروف في الأوساط العربية، لكنه رئيس حكومة المجر لأكثر من دورة انتخابية. كما كان مهماً في النشاطات الشبابية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وأسهم مع التيارات التي اجتاحت أوربا الشرقية في ذلك الوقت في إسقاط الستار الحديدي، الذي بناه السوفييت على دول الكتلة الشرقية إلى أن سقط جدار برلين سنة 1989م. ذاع صيته بعد تحرر المجر كغيرها من الدول الاشتراكية، وفاز حزبه في الانتخابات، التي أعقبت التحول، ثم فاز هو برئاسة الحكومة في فترة ثانية، ومع المراجعة التي قام بها الاشتراكيون، وتردد الناخبين في آثار التحول إلى الرأسمالية على حياة الناس، انتزعوا الفوز من حزبه، لكنه استعاد الثقة منذ 2010م، وما زال يحكم المجر إلى الآن. المهم في هذا السرد أن الرجل الذي كان رمزاً للتمرد على الاشتراكية، وهيمنة الروس على دول هذه الكتلة، هو الآن أقرب زعماء الاتحاد الأوربي وحلف الأطلسي (حيث انضمت المجر إليهما) إلى روسيا، وعلاقته وطيدة بالقيصر الروسي الجديد بوتين. فما الذي جرى؟ هو يعرف أن الناس تشعر بالإحباط من الخيبات الاقتصادية والاجتماعية، التي عمت حياة الدول الصغيرة في الاتحاد الأوربي؛ فلذلك هو يستشرف التقاط آمال الناس بنظريته التي يدعو فيها إلى ديمقراطية غير ليبرالية (على غرار تركيا والصين وسنغافورة وروسيا). ويقول: إن العالم في العصر الحديث مرّ بأربع مراحل مؤثرة في تاريخ البشرية؛ أولاها الحرب العالمية الأولى، والثانية الحرب العالمية الثانية، والثالثة نهاية الحرب الباردة (وهي الحقبة التي لمع فيها نجمه مع زميله التشيكي، وقبلهما زعيم حركة تضامن البولندية ليش فاليسا)، أما المرحلة الرابعة الأكثر تدميراً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فهي الأزمات الاقتصادية المتوالية منذ 2008م. لكن هل يغامر رجل بمثل خبرته ودهائه بتكوين علاقة خطرة مع بوتين الواقع في عزلة دولية من أجل التنظير لنموذج الخيار الديمقراطي غير الليبرالي؟ فالمجر واحدة من الدول الصغيرة نسبياً في الاتحاد الأوربي، وتحصل على مكاسب اقتصادية كبيرة من هذه العضوية، وهي عضو أيضاً في حلف الناتو، فكيف يمكنها أن تميل ولو تعاطفاً أو انبهاراً إلى الخصم الروسي (للغرب عموماً وللناتو والاتحاد الأوربي على وجه الخصوص) بعد أزمتي روسيا وأوكرانيا؟ صحيح أن هناك استثمارات روسية تريد الحكومة المجرية الإبقاء عليها أو زيادتها، خاصة أن روسيا لن تجد فرصة أفضل من هذه لاختراق الاتحاد الأوربي والناتو من الداخل. بعيداً عن الذرائع، ماذا يعجب أوربان في هذا النموذج السياسي؟ وهل هو مناسب للمجر مثلما هو الحال في الدول التي طبقته في العصر الحديث؟ فروسيا والصين ورثتا نظاما شموليا، لم تنقلب عليه كلياً، بل هذبته بمشاركة أكبر في اتخاذ القرارات، بدلاً من صدورها عن فرد أو دائرة ضيقة. وقد نجحت الصين بسبب مراعاتها للأوضاع الاجتماعية والثقافية المختلفة في أقاليمها المتعددة، بينما نجحت روسيا اقتصادياً، لكنها فشلت سياسياً. أما سنغافورة فهي مدينة قامت على الاقتصاد الصيني، الذي جلبه العرق الصيني إلى الجزيرة، وكانت مبادئ فلسفية صارمة وراء نجاح هذا النموذج في بيئته الآسيوية بالذات، وليس بالضرورة في أوربا أو أي مكان آخر. وأخيراً تركيا نجح فيها التحول الديمقراطي الشعبي بسبب تذمر الناس من قبضة الجيش، ورغبتهم الشديدة في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وكلتا الحالتين غير موجودتين في المجر. فهي تجارب خاصة مطعمة بالثقافة في كل بيئة، لكني أظنه يدغدغ مشاعر الناخبين المتبرمين من الأوضاع المتأزمة!