تونس ورفع التحديات
لديّ يقين أن كثيرا من أهل البلاد التونسية ما زالوا يتذكرون آخر انتخابات تشريعية ورئاسية في عهد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وأعني بها انتخابات 2009م. هذه الانتخابات سميت بخماسية بن علي للعام 2014م وصاحبها صوت عال من بعض القيادات الحزبية والجهوية في تونس ومن بعض الإعلاميين والفنانين بترشيح بن علي للخماسية القادمة يعني 2014م-2019م، وكان هناك تخوف من هذه الموجة بحجة أنها ليست إلا توطئة لإعلان بن علي رئيسا لتونس مدى الحياة. المفيد في تلك الانتخابات أن بن علي اكتسح بقية المرشحين الذي خرجوا أو اخرجوا من السباق بحجج قانونية وإدارية مضحكة، المنظمات الدولية المعنية بنزاهة وشفافية الانتخابات تم التضييق عليها وكانت تقاريرها تجمع على فساد ما حدث. المعارضة المغيبة عن المشهد السياسي في ذلك الوقت كانت حركة النهضة المحظورة وأرسلت صوتها للتونسيين من خارج الحدود مطالبة بمقاطعة الانتخابات، وحاثة السلطة في ذات الوقت على قيام حوار حقيقي لا يستثني أحدا من الفعل السياسي على الأرض التونسية.برنامج بن علي كان شاملا لكل نقاط الحياة في تونس لم يستثن الشباب ولا الديمقراطية ولا حرية الصحافة ولا النهوض بالبلاد إلى مصاف دول العالم الأول وتكوّن البرنامج الذي رُوج له في كل وسائل الإعلام من أربع وعشرين فقرة، وسمي "معاً لرفع التحديات" وفي الحقيقة لو طبق ربع ما ورد في ذلك البرنامج لأصبحت تونس سويد جديدة على خارطة العالم، وهذا ما كان يردده بعض الدبلوماسيين فيما بينهم وهم يحضرون المناسبات والندوات التعريفية التي نظمها حزب التجمع الدستوري أي حزب فخامة الرئيس. في خضم تلك الأجواء كانت صور بن علي تملأ الميادين والشوارع الرئيسة في المدينة وفي الضواحي، وابرز صورة عرفها الناس صورة مكبرة للرئيس ظهر فيها وكأنه يرد على هتاف وترحيب الجماهير ويضع يده اليمنى على أعلى الجزء الأيسر من صدره تعبيرا عن الامتنان والشكر والحميمية، هذا أحد تفسيرات الصورة التي تحمل عبارة معا لرفع التحديات، تفسيرات أخرى سمعت بعضا منها وكنت برفقة كاتب وأكاديمي تونسي سألته عن رأيه في الصورة ونحن نمر بالقرب بواحدة منها في قرطاج، فأخبرني أنها تعني كما يعتقد أغلب أهل تونس من السياسيين والمثقفين أن الرئيس يقول للناس انتم وتونس في جيبي الصغير، وسأكون رئيسا لكم مدى حياتي وأنا مستعد لكل التحديات التي يمكن أن ترفعوها ضدي. وعلى العموم وان ظل شيء من ذلك في ذاكرة الناس فتونس اليوم بانتخاباتها التشريعية والرئاسية (نوفمبر وديسمبر 2014م) ترفع تحديات من نوع آخر، وهذه التحديات في الواقع تأتي على منحيين، المنحى الأول التحديات الناشئة عن خروج البلاد سياسيا وأمنيا وعسكريا من نفق الثورة والولوج إلى مرحلة يأمل الجميع أن تكون تطبيع الأمور مع الواقع. المنحى الآخر، ويشمل التحديات الناتجة عن سنوات المرحلة الانتقالية التي شهدت مخاضا سياسيا وامنيا واقتصاديا كاد يطيح بكثير من مقومات الدولة في تونس.اليوم هناك صوت مرتفع بين التونسيين على القطيعة مع الماضي والسير نحو الديمقراطية الحقيقية، ورغم ترحيب المراقبين بهذا الصوت إن صح ووجد المناخ المناسب للتحقيق، تبقى هناك مخاوف جدية بعضها نابع من الداخل التونسي مثل كثرة الحديث عن الجيش والتنبؤ بدور جديد وجدي لهذه المؤسسة التي قيل إن نظام الرجل الواحد أقصاها وحصر نشاطها وتفاعلها مع المحيط التونسي في أضيق الحدود، خاصة أن الداخل أصبح حافلا بصراع مع من تسميهم الأنباء القادمة من هناك بالمتطرفين والإرهابيين، حيث أصبح المجتمع وأمنه العام ورجال الجيش وقياداته أهدافا مشروعة لهجماتهم التي طالت إلى الآن أكثر من مكان في تونس. يضاف إلى ذلك تناص سياسي وثوري ربما بين التجربتين المصرية والتونسية، بمعنى إعطاء دور قيادي للمؤسسة العسكرية للحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها بما في ذلك البناء الديمقراطي. وفي الجانب الآخر إزاحة التيار الذي حكم تونس لمدة عامين "حركة النهضة" بخلفيته الثقافية وامتداداته البنيوية إقليميا ودوليا، خاصة بعد فوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية، والتي قد تعني ضمنا وصول قياداته إلى سدة الرئاسة في تونس، والكل يعرف العداء المعلن عند قيادات الحزب للنهضة ورموزها. وفي هذا المقام يجب أن لا ننسى الحالة العامة لدول الجوار وخاصة الجارة ليبيا وما يحدث فيها. تونس تخرج من نفق الثورة إلى أزمات النظام السابق وتعقيدات السياسة والأمن في الإقليم، هكذا هي مسيرة الإصلاح صعبة دائما ومليئة بالتحديات.