كلية الآداب، كلي فخر
قبل أن أكتب هذا المقال بلحظات رأيت صورة للتقويم بتاريخ أمس ١٠ صفر، وهو يوم يؤرخ ليوم من أهم أيامي ففيه استلمت مهام عملي كمعيدة في كلية الآداب قبل سنوات طويلة من اليوم. كان ذلك في زمن لم يكن يفصل بين التخرج واستلام الوظيفة سوى أشهر قليلة هي الإجازة الصيفية فقط، وبالمصادفة كان لنا قبل أيام اجتماع مع عميدة الكلية د. أميرة الجعفري عرضت فيه تقريراً رقمياً دقيقاً كانت قد أعدته عميدة الكلية السابقة د. مها بن بكر مشكورة عن تاريخ هذه الكلية وانجازاتها خلال مسيرة طويلة منذ انشائها عام ١٣٩٩/ ١٤٠٠ هـ .بعد أن تابعت ذلك التقرير استنهضت فخري بنفسي وزميلاتي وكليتي التي تعلمت، ثم عملت فيها سنوات وسنوات، وأقول: إني استنهضت فخري لأنه - وللأسف - كان هناك من يحاول التقليل من شأنها وشأن مخرجاتها - بشكل خاص بالكلية، أو بشأن عام عندما يساء للمرأة بشكل ما - حين قيل: إن كليات البنات عامة تشكل عالة وحملاً ثقيلاً على الجامعة الوليدة !! لقد كانت السنوات القليلة الماضية حين بدأت خطوات التغيير تكون واسعة جداً بعد انتقالنا من إدارة كليات البنات إلى وزارة التربية والتعليم ومن ثم وزارة التعليم العالي وتطلب هذا دمجنا مع جامعة الملك فيصل وأخيراً انشاء جامعة الدمام وانضمام الكلية لها. وقد كانت انتقالة صعبة تطلبت جهوداً مضنية أصابتنا بالاختناق وكنا نتذمر كثيراً ، لكننا مع هذا نعمل وننتج رغم كل الضغوط العملية والنفسية التي تحاصرنا لنحقق تطلعات تلك الإدارات التي تعاقبت علينا والتي كانت تحاول أن توحي لنا بأننا الأقل شأناً . إن الأرقام في التقرير المذكور تثبت تفوقنا على أنفسنا قبل تفوقنا على تلك التطلعات، لأن الأرقام صادقة . قبل هذا كله كانت الكلية - بكل إدارة نسوية مرت عليها - تجاهد لترتقي وتتطور في كل جانب إداري وتعليمي رغم ضعف الامكانات المتاحة منذ أن كانت أعداد الطالبات في القاعات الدراسية تتجاوز ١٠٠ طالبة وقد تصل إلى ٢٠٠ . ومنذ أن كانت نتائجهن تكتب بخط اليد في كشوفات ورقية ضخمة حتى صرنا نعتمد الوسائل التكنولوجية المتاحة وبالتدريج وبجهود ذاتية لا شأن للإدارات الرجالية ولا أي صلة بها في ذلك الحين مازلت أذكر أول خطوة تعاونية جمعت بيننا وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وبشكل خاص للبدء في إعداد برنامج الكتروني خاص للكلية لم يكن لإدارتنا الرجالية حينها أي صلة بالموضوع !ومنذ أن كانت أعداد زميلاتنا من الدول العربية والإسلامية اللاتي ساهمن معنا مشكورات في البناء هي الأكثر حتى اليوم حيث صرنا نحن خريجات الكلية وبنات الوطن نشكل الأغلبية، التي تتولى قيادة هذه الكلية خلال سنوات قليلة . هذه الكلية التي شاركت في تطوير الخطط العلمية والمناهج على مستوى كليات البنات في أرجاء المملكة ومازالت تعمل وتعمل في أدق الشئون التعليمية والإدارية . إن مخرجات هذه الكلية تجدهن اليوم في كل مكان وفي جهات عملية متنوعة من أصغر المهن إلى أكبرها في المجال الحكومي والخاص وفي مجال الأعمال الحرة التجارية.وهناك نماذج كثيرة في كل مكان بدءا من مجلس الشورى إلى إدارات التعليم في كل مهنة حتى البائعات وموظفات الأمن وسيدات الأعمال، لم يوقفهن داخل الكلية ولا خارجها كثير من الحواجز المزعجة التي كانت تواجههن، وهي أيضاً الحاضرة بقوة في مجال الخدمات الاجتماعية والتطوعية على مدى سنوات طويلة فلهن قدرات هائلة لا ينكرها إلا جاحد أو ناقص معلومة .فقد وصل مؤشر الأداء للتطوير المهني إلى ٨٥٪ وهو يعد النسبة الأعلى في الجامعة، وبلغ مؤشر المشاركات البحثية في المؤتمرات ٦٥٪ رغم أن كثيرا من الأعضاء حديثات عهد بالدرجات العلمية العالية، ورغم أن الأعباء الإدارية التي ألقيت عليهن - إلى جانب المهمة العلمية الأولى - كانت ومازالت تشكل ضغطاً هائلاً . كلية الآدب هي التي بدأت مشروعات كانت غائبة عن كثير من الكليات الأخرى وهي برامج طبقتها الجامعة متأخرة عن الكلية بعشر سنوات ومن ذلك جائزة التميز لأعضاء هيئة التدريس فقد بدأتها الكلية عام ١٤٢٥ ونفذتها الجامعة عام ١٤٣٥ وكانت الفائزة بها زميلتنا من كلية الآداب باسمة الغانم . كلية الآداب تشكل ثلث عدد طالبات وطلاب الدراسات العليا في الجامعة، كلية الآداب أول من نفذ برنامج تقييم الطالب الذي بدأ بجهود فردية وذاتية من بعض الزميلات، ثم صار برنامجاً خاصاً بالكلية دون غيرها ومؤخرا كان أحد برامج الجامعة، وهي أيضاً تشكل النسبة الأعلى في التواصل التقني بين الطالبة والأستاذ . كل هذا وغيره كثير يكفيني لأسترد ثقتي في هذه الكلية التي غذت الجامعة والوطن بكثير من القيادات النسوية، وأقول : نعم كلي فخر بها رغم الضغط ورغم الاجحاف بحقها ورغم نقاط الضعف التي نواجهها ويعمل الجميع على معالجتها.