د. سعود العماري

الجرائم المعلوماتية (3)

مازلنا نواصل الحديث عن الجرائم المعلوماتية في ظل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/17) وتاريخ 8/3/1428هـ حيث تحدثنا في المقال السابق عن بعض هذه الجرائم وعن العقوبات المقررة بحق مرتكبيها واليوم نستكمل الحديث عن بعض الجوانب النظامية الأخرى المرتبطة بهذا الموضوع.وبداية تتولى هيئة التحقيق والادعاء العام التحقيق في الجرائم المعلوماتية الواردة بهذا النظام، وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة العاشرة، حيث تباشر هذه الجهة كافة الإجراءات طبقاً للوائح السارية وإجراء المرافعات أمام الجهات القضائية المختصة للفصل في هذه الجرائم. وقد ألزمت المادة الرابعة عشرة هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بتقديم الدعم اللازم والمساندة الفنية للجهات الأمنية المختصة بداية من مرحلة ضبط الجريمة ووصولاً إلى مرحلة المحاكمة. وقد تناولت المادة التاسعة أحكام الاشتراك في الجريمة كالتحريض والمساعدة أو الاتفاق على ارتكاب أي نوع من الجرائم الواردة بهذا النظام، حيث نصت على أن كل من يحرض أو يساعد أو يتفق على ارتكاب هذه الجرائم يعاقب بما لا يتجاوز الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها في حالة وقوعها، أما في حالة عدم وقوعها فإنه يعاقب بما لا يتجاوز نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها. كما نصت المادة العاشرة على حكم الشروع في ارتكاب الجريمة وفرضت له عقوبة، حيث يعاقب كل من شرع بأي من الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام بما لا يتجاوز نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة، ويفهم من هذا أن الشخص الذي يشرع في ارتكاب احدى الجرائم الواردة بهذا النظام دون إتمام الجريمة لسبب خارج عن إرادته فإنه يعاقب بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها، فإذا كانت هذه الجريمة هي التنصت على المراسلات فإنه يعاقب بما لا يزيد على ستة أشهر وغرامة لا تزيد على مائتين وخمسين ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهذه العقوبة تمثل نصف الحد الأعلى المقرر لهذه الجريمة.وفي سبيل توفير أنجع الوسائل للكشف عن الجريمة فقد نصت المادة الحادية عشرة على جواز الإعفاء من العقوبة الصادرة بحق مرتكبي أي من الجرائم التي نص عليها النظام، حيث يُعفى من العقوبة كل من يبادر من الجناة بإبلاغ السلطات والجهات المختصة بالجريمة قبل العلم بها وقبل وقوعها، أما الإبلاغ الذي يتم بعد وقوع الجريمة ويكون من شأنه ضبط بقية الجناة في حالة تعددهم أو ضبط الأدوات المستخدمة في الجريمة فإنه يُعِفي الجاني أيضا من العقاب شريطة أن تتحقق هذه الشروط.وإلى جانب العقوبات المتعددة التي نص عليها النظام فقد أجازت المادة الثالثة عشرة مصادرة الأجهزة أو البرامج أو الوسائل المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم أو الأموال المتحصلة منها، وفضلاً عن ذلك فقد أجازت هذه المادة الحكم بإغلاق الموقع الالكتروني أو مكان تقديم الخدمة إغلاقاً نهائياً أو مؤقتاً متى كان مصدراً لارتكاب أي من هذه الجرائم وكانت الجريمة قد ارتكبت بعلم مالكه.وفي سبيل مكافحة الجرائم المعلوماتية فإن هذا الأمر يتطلب تضافر الجهود الدولية وذلك من خلال التعاون القضائي الدولي، حيث أثبت الواقع أن أي دولة لن تستطيع بمفردها التغلب على هذه الجرائم بسبب التطور المتزايد في التقنية المعلوماتية يوماً بعد يوم، ولأن هذه الجرائم تكون في الغالب عابرة للحدود، لهذا يتطلب الأمر وجود تعاون قضائي دولي يختص بتعقب المجرمين في أي بقعة من بقاع العالم، على أن يتضمن هذا التعاون استلام وتسليم المجرم المعلوماتي، فضلاً عن المبادرة لإبرام الاتفاقات والمواثيق الدولية التي تساهم في الحد من هذه الجرائم، مع ضرورة تطبيقها الفعلي على أرض الواقع، إضافة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير الأخرى التي يصعب حصرها في مقال محدود كهذا.وفي الختام فإننا نرى أن أنجع الوسائل العلاجية والوقائية للحد من الجرائم المعلوماتية يكمن في أن يتم نشر الوعي والفكر بين أبناء الوطن بخطورة هذه الجرائم وما قد يترتب عليها من آثار، إضافة إلى إعداد الكوادر المؤهلة للعناية بنظم الأمن المعلوماتي والتعامل مع أي مخاطر قد تطرأ عليه.