د. فالح العجمي

نموذج «الماكو» وآثاره

من يظن أن استغلال الرجل للأنثى خاص بالمجتمعات العربية، فهو مخطئ نسبياً؛ صحيح أن العرب ما زالوا يمارسون التمييز في أعلى درجاته، لكنها سمة بشرية، بقي العرب -بحكم أصالتهم وحفاظهم على التقاليد البشرية القديمة- متمسكين بها. فالمعروف في التاريخ القديم أن المرأة، إلا في حالات قليلة لا يعتد بها، كانت تتعرض للظلم والاقصاء، وربما خضعت في كثير من حاجاتها البيولوجية والنفسية إلى مزاج الرجل المسيطر، والقوانين البشرية القديمة، التي تعطي صاحب العضلات القوية مكانة أعلى في القرار ونصيباً أكبر في المصالح. لكنه بعد اجتياح العقلانية لعدد من مناطق العالم، أصبحت البيئات المتحضرة تتقبل مشاركة المرأة أكثر من ذي قبل، لأن العامل المؤثر هو العقل وليس العضلات، كما كان الأمر في العالم القديم. كان الصغار الذكور -وربما لا يزالون كذلك- يغضبون إذا وصف أحدهم الآخر بأنه «بنت» أو «مثل البنت»؛ بل ربما كان هذا هو منشأ العبارة السائدة لدى عقد التفاهمات الشفوية «كلام رجال»، وللمفارقة يردده في بعض الحالات عن غباء أو سخرية بعض النساء. بل إن الكلام المرذول الذي لا يتصف بالجزالة أو الصدقية، الذي يحتوي ترديداً للألفاظ أو مطالب دنيئة يُطلق عليه «كلام نسوان» أو «سوالف حريم». وقد انتشر مؤخراً مصطلح «الماكو» (macho) في الغرب للإشارة إلى بقايا ذلك التيار القديم، أو بعثه لدى بعض المجتمعات، أو تنامي سلوك الأفراد باتجاه المبالغة في الحظوة الذكورية. وبالطبع قابله -كما يعرف كثير منا- الحركات النسوية المبالغة أيضاً في الإعلاء من سقف المطالبات بإنصاف المرأة، بما في ذلك في الأمور الشكلية. كما سعت إلى الاستخفاف بتلك التقاليد الذكورية القديمة والسلوكيات السائدة في كثير من المجتمعات بأن الرجل لا يدخل المطبخ، بل هو أمر خاص بالنساء، لكونه من آثار تمكن تلك القيم المنحازة إلى الرجل. أخيراً، وفي رحلة قمت بها إلى مواطن الإنكا (الشعوب الأصلية في أمريكا الجنوبية في مناطق البيروفيين)، أو الهنود الحمر، كما يطلق عليهم لدى المجتمعات المستعمرة؛ وجدت آثاراً مشابهة لما في تلك النماذج الذكورية. ففي مراسم الزواج، يقوم الشاب الذي تعجبه فتاة، ويريد الزواج منها بخطفها (يساعده في ذلك ربما بعض أفراد عائلته أو الأصدقاء المقربين)، وهي طريقة تقارب ما تصنعه العصابات مع ضحاياها؛ حيث يتابعها بعض المتعاونين مع الشاب في طريق خالية، خاصة عندما تكون بعيدة عن القرية، أو تأتي بالماء من النهر. ويضعونها بعد الاختطاف في دار أحد الكبار، ثم تتبلغ عائلتها بعملية الاختطاف؛ فيسعون إلى تجميع أنفسهم والذهاب إلى تلك الدار ليفاوضوا الخاطفين. حينئذ تخاطب عائلة الشاب العائلة الأخرى طلباً ليد ابنتهم؛ فإن لم يوافقوا كان على الشاب أن يبحث عن فتاة أخرى يخطفها، أو يعاود الكرة مع الفتاة نفسها، إن لم يبعدها والدها عن القرية، بإرسالها مع أحد أقاربها إلى مكان بعيد عن موطن عيش العائلة. أما إن قبلت عائلة المخطوبة به زوجاً لها، فإن النساء يزغردن بأغانٍ تقليدية، بعد أن كنّ يبكين في الطريق إلى قرية الخاطف. وتقوم عائلة الخاطف (أو الخاطب حالياً) بإهداء كميات من الموز وبعض المنتجات المرتبطة بالموسم الذي تجري فيه المراسم في زيارة لاحقة وقريبة، ثم يتم عقد القران بطريقة توحي بالمُلكية التامة للرجل. ولا أظن الأستراليين أو النيوزيلنديين الأصليين أو الهنود أو العرب يبعدون عنهم كثيراً في الجوهر؛ فما يختلف هو الإخراج، وبعض الطقوس التي توجد في ثقافة وتتغير في أخرى!