ممارسات لا تعبر عن وعي
فضّل الله الإنسان على كثير من خلقه، وسخره لإعمار الأرض، ومنحه العقل؛ للتمييز بين الخير والشر، بين ما فيه سعادته وما فيه شقاؤه، قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»، ومع ذلك ما زال الإنسان يهين نفسه، وينسب إليها من الممارسات ما يدفع إلى التفكير في صحة مساره، ومدى التزامه بما شاء له خالقه من حياة حرة كريمة، مليئة بالإنتاج، وزاخرة بالعطاء المثمر، والسلوك القويم الذي يبعده عن كل ما يعيبه في صفاته وسلوكه ومعتقده. ومع ذلك فما زال العقل يقف محتارا أمام بعض الممارسات، التي لا تعبر عن وعي كامل بما يعانيه الإنسان نفسه من ضغوط حياتية في ظروف أخرى، وفي أزمنة وأمكنة سابقة وآنية، فمقابل الأغنياء يوجد الفقراء. ومقابل المترفين بالثراء الفاحش، يوجد المحرومون من أبسط مقومات الحياة، ومن المترفين من هو منغمس في ترفه، وبه فخور وعليه مصر ودائم، لا لشيء إلا لإرضاء نزوات نفسه دون التفكير في العواقب، ودون التفكير في غيره من البشر الذين لم تسعفهم الظروف لحياة مماثلة، وهي حكمة من الله أن وزع الأرزاق بين البشر ليسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وأين أنفقوها، وفي الحديث: (لا تزول قدماك يوم القيامة حتى تُسأل عن أربع، عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته، وأين أنفقته). أو كما ورد، ومع ذلك لا يكتفي الإنسان بارتكاب الخطأ، بل يمعن في ارتكابه من خلال المجاهرة والتباهي، وإعلان ذلك على الملأ، كأنه قد أنجز ما يخدم البشر ويشارك في صنع الحضارة ويسهم في تقدم الحياة. ومن ذلك ما تحفل به وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي من أخبار في هذا المجال، وكان آخرها ما اطلعت عليه واطلع عليه غيري من خبر عن دفع عشرة ملايين ريال قيمة "دجاجة"، وقد يكون الخبر مفبركا، والظن أنه كذلك، ولكن ثمة تساؤلاً : كيف تبلغ قيمة "التيس" مليون ريال أو أكثر، والبعير عشرة ملايين ريال أو أكثر، بينما "دية الإنسان" أقل من ذلك بكثير، وهو الذي كرمه الله، وسخر له بقية مخلوقاته. أمام هذا البطر والإسراف، يصمت الإعلام، وإذا تحدث، روج لهذه الممارسات بنشر أخبارها كشيء عادي، والقائمون على الإعلام يعلمون - أو لا يعلمون - أنهم يروجون لثقافة استهلاكية هزيلة، أولى بها أن تحارب، وأن يتم تجاهل أي نشاط يتم في إطارها، وهو تجاهل لابد أن يقترن بتوعية شاملة؛ لتجنب هدر الأموال التي لو أنشئت بها المصانع؛ لأسهمت في تقدم اقتصاد الوطن ووفرت لأبنائه الكثير من فرص العمل، ويصمت رجال الدين حيال هذه القضية الجوهرية؛ ليتيحوا للمترفين فسحة التمادي في هذا الأمر، وهم -جزاهم الله خيرا- قد أبلوا بلاء حسنا في مكافحة الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع، وقد آن الأوان ليقوموا بدورهم التوعوي في مجال مكافحة الترف والبطر والتباهي بهدر الأموال، وهو أمر من صميم رسالتهم الخيرة ومن أهم أهدافهم السامية، وهم العارفون أكثر من غيرهم أن المال أمانة في أيدي الناس لا بد من إنفاقه في المجالات المشروعة دون غيرها، وفي مجتمعنا من الفقر والبطالة ومشاكل التنمية ما هو حديث الناس والإعلام ليل نهار. والقول إن الناس أحرار في أموالهم غير صحيح، وهو قول ينفيه ما تقدم من حديث مرفوع ورد ذكره أعلاه، وليست لنا الخيرة فيما نهى الله عنه ورسوله، أليس هذا البطر هو الإسراف الذي نهى الله عنه عندما قال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). فالإسراف هو عدو الإنسان اللدود الذي يودي به إلى المهالك لا قدر الله.