كلمة اليوم

المملكة.. وإعادة تأسيس البيت العربي

لم يعد خافيا أن الكثير من مجتمعاتنا العربية قد انزلقتْ تماما بفعل الاستجابة لخداع العناوين الذي جرّهم إليها ما سُمّي زورا بالربيع العربي، مستفيدا من سمعة الربيع في الذهنية الإنسانية والعربية تحديدا، لتزل أقدامها إلى حضيض من هشيم الخريف القابل للاشتعال، لتفيق وهي التي كانت تفتش عن زهر الربيع ووروده ومطره وجداوله وأجوائه على سماء ملبدة بكل ألوان الخلاف والاختلاف، وعلى أرض إن لم يُحرقها رصاص النزاع، وأدوات الحروب، فستحرقها دفائن النوايا والشكوك، وفقدان أي أثر لبساط الثقة الذي يُمكن أن يقي جسدها الأشواك والأنقاض، ذلك لأنها ذهبت إلى وهم الربيع دون أن تتأمل خارطة الأحوال الجوية لتتأكد ما إذا كان ربيعا حقيقيا، أم أنه مجرد ربيع خُلّبي كالسراب الذي يحسبه الضمآن ماء، والذي عملتْ على تسويقه عديد الأيدي التي اندسّت تحت زيف ألوانه لتستثمره لحساب مصالحها. من المؤكد أن هناك الكثير من الدوافع التي ساهمتْ وبقوة في هذا الانزلاق الذي بات يلتهم الأخضر واليابس دون حساب، وأولها استبداد وفساد بعض الأنظمة التي عطلتْ سواعد التنمية، وحوّلتْ لقمة العيش إلى قضية وجود، وهو بالتأكيد سبب مركزي، لا يُمكن معه قياس رد فعل الجماهير، مما يجعل فكرة التغيير أيّا كانت تظل الطريق الوحيد للبحث عن صيرورة واعدة، حتى وإن ظللتها الشكوك، خاصة في ظل غياب القدرة على استشراف البدائل، أو فحص نواياها، الأمر الذي أوقع تلك المجتمعات في شرك هذا الربيع الوهمي، والذي دفع البعض بعد أن تكشّفتْ ملامحه، وأصبح البحث عن الأمن أعزّ من البحث عن اللقمة، يتحسّر على عهود الاستبداد التي كانتْ توفر لها على الأقل الأمن ذلك الغائب العزيز، وكل هذا حدث بسبب عدم قدرة تلك الأنظمة على فتح آذانها لسماع واستيعاب شكاوى شعوبها، ثم عدم استعداد تلك الشعوب لفهم أبعاد التغيير بإفلات الرسن للغوغاء، وللأدعياء، وللمتكسبين من وراء تعميم الفوضى. والآن وأيّا كان التشخيص للواقع العربي القائم، بعد أن أصبح حقيقة لا تقبل الجدل، صار من المنطقي أن تتنبه قيادات الأمة أنه لا سبيل للخروج من هذا المأزق، إلا بالإنصات لأصوات الحكماء الذين أثبتوا بحكمتهم وحسن إدارتهم القدرة على تحييد بلدانهم عن شرور تلك الوقائع الدامية التي أحاطتْ بهم إحاطة السوار بالمعصم، والذين ظلوا يُطلقون المبادرة تلو الأخرى، بعد أن كانوا قد حذّروا الجميع من مغبة هذا المنزلق، ليوصدوا الأبواب أمام الدخلاء والمتربصين، ويلتقطوا تلك الأيدي التي امتدّتْ إليهم لتأخذهم من تلك السفينة المثقوبة، مثلما أصبح لزاما على تلك الشعوب التي اكتوت بنيران ذلك الهشيم أن تلتفت إلى مصدر ذلك الشعاع الذي يريد أن يدلّها على طريق الخلاص، وقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز -حفظه الله- في طليعة أولئك الحكماء الذين حملوا هموم الأمة، وأمانة النصيحة لتجنيبها تلك الآثار المدمرة، وأول من حمل مشعل الضوء الذي اخترق ظلمة هذا الواقع، ليلعب دور الدليل، والرائد الذي لا يكذب أهله، وصولا إلى كل ما يعيد للأمة الأمن والرخاء والاستقرار، وها هي خطواته تأخذ طريقها إلى قلوب كل قيادات وشعوب المنطقة الأكثر اشتعالا لتعيد لملمة شتاتها، وبناء وحدتها على أركان المصلحة القومية، وترمم شرخ انكساراتها، فهل يُقدّر الآخرون هذه الريادة لينسجموا معها، بغية إعادة تأسيس وتدعيم البيت العربي بوحدة الكلمة وبما يضمن الحياة الحرة والعيش الكريم لكافة قاطنيه، وما يضمن سلامة البصر والبصيرة لقياداته، لتبتعد عن كل ما يُخرجها من صفها العربي، لتنصرف لتنمية شعوبها وبناء مستقبلها على أساس الوطنية الصادقة؟.