خالد الشريدة

ومسلسل حصد الضحايا!!

حُفر الصرف الصحي أصبحت أفخاخا قاتلة للبشر، وكأنها ألغام في طرقنا، في وقت لا يكلف فيه غطاء الواحدة منها 100 ريال فقط، ولكن الإهمال والتقصير والقصور والتجاهل هو في الواقع ما يقتلنا، ويجعل الضحايا يبدون وكأنهم مجرد أسماء في قوائم تزداد كل فترة وأخرى، وآخر أولئك طالب يدرس بالمرحلة الثانوية سقط داخل حُفرة صرف صحي شرق مدينة جدة، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال جثمان الطالب بعد أكثر من ساعتين على سقوطه.وقبل أن نتناول إنقاذه بعد أكثر من ساعتين، لا بد وأن نتوقف عند السلسلة التي تزايدت بسرعة في الآونة الأخيرة، حيث كان قبل هذه الحادثة، حادثة وفاة مبتعث وابنه إثر سقوط ابنه في حفرة مجاري، فهرع الأب خلف ابنه لينقذه ورمى بنفسه في الحفرة فمات الاثنان الأب والابن، وقبلهما توفيت فتاة بصورة مشابهة لحادثتهما، إثر سقوطها في غرفة صرف صحي.لا يمكن بالطبع أن يحدثنا مسؤول بلدي أو يجرؤ على تبرير ما يحدث بضعف في توفير ميزانيات لأغطية بهذه المبالغ الزهيدة، ولكن التبرير الأقبح من الذنب يأتي من أمانة جدة، حين أصدرت بيانا توضيحيا حول حادثة المبتعث وابنه، والتي كانت قرب مركز تجاري، أفادت فيه بأن غرفة الصرف الصحي، التي سقط فيها الطفل ووالده، لا تخضع للإشراف أو المراقبة من قبل الأمانة، بل هي مسؤولية المركز التجاري.ذلك يؤكد أنه لا يمكن لجهة أن تبرر الاخفاق عطفا على أي ميزانية؛ لأنها متوفرة بالضرورة، ولكنها لا تتجه الى مساراتها الصحيحة على ما يبدو، ولذلك فإن أقرب حائط قصير يمكن الصعود على اكتافه وجعله كبش فداء؛ لأنه في مثل هذه الأحوال لا بد من متسبب؛ حتى لا يتفرق دم الضحايا بين مسؤولين لا يملكون الشجاعة الكافية للتصدّي لهذه الحوادث القاتلة، وفي النهاية يمكن أن نصل الى تحميل المسؤولية لعامل وافد نسي أو تجاهل تغطية الحفرة، ويكتفى بترحيله.دون مراقبة ومتابعة ميدانية ممنهجة وجدية وحازمة، ستقع كثير من الأخطاء، وسينتشر الفساد الذي يحرمنا من «غطاء» بمائة ريال، وصحيح أنه لا ينجي حذر من قدر، ولكن مطلوب أن نعقلها ونتوكل، وحين لا تعقل الأمانات أمرها وتعمل على تسطيح الحوادث وتبسيطها، فإننا أمام مشكلة خطيرة، تتطلب المراجعة وإعادة النظر، فالدولة توفر أضخم الميزانيات لكل مشروعات البنية التحتية والفوقية، وفي النهاية نحصد مثل هذا الأداء السلبي الذي لا يتحمل تبعاته ونتائجه أحد.في كل الأحوال، وأيّا كانت المبررات والبيانات المموهة، التي تكتب بلغة تتحايل على الواقع لا تمنحنا أعذارا لأي مسؤول أخفق في متابعة تكليفه على الوجه الأكمل، فنحن نرى في دول أخرى مسؤولين يستقيلون ويتحملون المسؤولية بشجاعة ويتعاملون مع التحقيقات بشفافية، ولكننا لا نسمع بمجريات أي تحقيقات وانتهائها لتحميل أحد ما مسؤولية ما حدث.أعود الى إنقاذ الضحية الأخيرة بعد أكثر من ساعتين، وأجده غريبا الى الحد الذي يحفزني إلى عبارة "لا تعليق!"، ولكن يبدو أن الأمر بأكمله بحاجة الى فعالية حقيقية توقف هذه الظواهر السلبية، التي تتصيّد الأبرياء، وتضعنا في حال لا تليق ببنيتنا التحتية التي يفترض أن تكون الأفضل بين دول العالم.* باحث اجتماعي