سالم اليامي

ليبيا اللامُتَوقع

مع حلول منتصف العام ٢٠١٣ كان الدبلوماسيون في العاصمة طرابلس مهتمين بطريقة واضحة بمعرفة أمرين: الأول، هل سيوقع البرلمان الليبي "المؤتمر الوطني الليبي العام" حينها ما يسمي بالقانون ١٣ أو "قانون العزل السياسي"، الأمر الثاني الذي كان يشغل تفكير معظم البعثات الدبلوماسية كان، ما الذي سيحل بالبلاد إذا ما تم توقيع ذلك القانون؟ المفيد، أنه تم توقيع قانون العزل السياسي في شهر مايو ٢٠١٣م، وهو القانون الذي يحدد معايير وشروط تولي المناصب العامة في الدولة الليبية. بناء على علاقة شاغلي تلك المناصب بالنظام السابق. وكانت الأصوات الناصحة لليبيين بتجنب ذلك الإجراء لكون واحدة من نتائجه المستفادة من التجارب التاريخية، هي خلق انقسام في بنية المجتمع السياسي والمدني في داخل الوطن، وأن ذلك الانقسام الذي كان محل تحذير ونذيرا قادر على توليد مجموعة من الانقسامات على المستويات الثقافية والمهنية والسياسية والمناطقية. إلا أن القوى المسلحة التي كانت تسيطر على حركة السياسيين في طرابلس وتوجّه قراراتهم في المؤتمر الوطني، استطاعت تمرير القانون وظهوره إلى حياة الناس في ليبيا، والجميع يعرف إلى أين وصل حال البلاد، بعد اعتماد ذلك القانون، بالإضافة إلى غيره من التصرفات والصراعات التي دمرت مستقبل الدولة والمجتمع في ليبيا.يوم ٦ نوفمبر ٢٠١٤ وفي مدينة طرابلس ذاتها، اتخذت الدائرة الدستورية المنبثقة عن المحكمة العليا، قرارا بحل وعدم شرعية البرلمان الليبي "مجلس النواب"، وبعيدا عن الدعاوى والحجج القانونية والدستورية التي يتمترس خلفها السياسيون والعسكريون والمحللون والشخصيات الليبية، أعتقد أنه من الجدير جدا، النظر إلى ما يحدث الآن من منظورين اثنين، المنظور الأول: أن اختلاف وجهات النظر بين الليبيين حول حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، لن يعود على الأوضاع المتردية في ليبيا على كافة المستويات بأي فائدة، وكل الخوف أن يفيق الناس هناك وقد مضى من بين أيديهم وقت ثمين، كان يمكن استثماره في وقف القتال في بنغازي و ككلة، أو في تأمين الخدمات الطبية للجرحى وتأمين الغذاء للمشردين في منطقة الجبل الغربي.ويتوجب على السياسيين والعسكريين الإدراك أن القضية ليست قضية خلاف قانونيّ، إنما هي مسألة خلاف سياسي وصراع مصالح بالدرجة الأولى. وكل طرف له الحق في المطالبة بما يراه، ولكن عبر آلية الحوار والتفاهم. لأن الأمر ببساطة، وكما يقر به عدد من الليبيين، خطير لأن المخاطرة الأولى المتعلقة بإقرار قانون العزل السياسي ساهمت إلى جانب غيرها في تذويب آخر مظاهر الدولة الليبية، وعجّلت بزوال سلطانها، وأفرزت مجموعة انقسامات هيكلية في بنية المجتمع يصعب ترميمها في المنظور القريب.ومع بروز مسألة القرار القانوني وانعكاساته على حل البرلمان، وإلغاء كل ما ترتب على الانتخابات البرلمانية الأخيرة فإن أبسط المخاوف التي يمكن أن تنتج عن ذلك، هي تبديد ملامح الوطن الليبي الواحد لا سمح الله. أما المنظور الآخر الذي يجب النظر منه إلى ما يحدث في ليبيا اليوم، فهو الحالة العميقة من الإرباك الذي يلف تصرفات الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ودول الجوار. فبالنسبة للأمم المتحدة لم يسبق لها أن قدمت اعترافها بكيان سياسي ما، سواء في بلد يعاني من الصراع والانقسام أو بلد مستقر، وسحبت اعترافها بذلك الجسم أو الكيان، ولا أعتقد أن ليبيا ستكون السابقة الدولية في هذا الميدان. أهم من ذلك فإن المنظمة الدولية تعكف على مبادرة الحوار في ليبيا، وهي في تقديرنا أفضل حل متاح خاصة بعد التأكيد على العناصر الجوهرية فيها المتعلقة بقضية جمع السلاح وإخراج المكونات المسلحة من المدن وتأمين الحدود وتسليم مؤسسات الدولة للسلطة الشرعية، يعزز هذا الفهم انضمام مجموعة من النواب الذين كانوا يوصفون بالمقاطعين للحوار.وبشأن دول الاتحاد الأوروبي والدول الفاعلة الأخرى فيجب أن يدرك الجميع أن العلاقة مع ليبيا أصبحت مثار حنق لهذه الدول، ومع ذلك من المؤكد أن هذه الدول ستجد السبيل الذي تحافظ فيه على مصالحها داخل البلاد الليبية، وستجد حتما الطرف الذي يفهم اللغة التي تريد، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة حل معضلات الليبيين. أما دول الجوار وفي الطليعة مصر والجزائر فها هي تعلن التنسيق والتعاون في مواجهة التطورات غير المتوقعة القادمة من ليبيا، ولا يستطيع أحد التنبؤ بما يمكن تحقيقه في هذا الصدد لأن كثير من التطورات غير المتوقعة بدأت تأتي من ليبيا وبأيدي أبنائها.* مستشار وباحث في الشأن الدولي