عبدالعزيز اليوسف

المشي فوق الرؤوس

صدمتني عبارة ذكرها أحد المواطنين في برنامج تلفزيوني تحدث فيه الضيوف عن واقع لبعض الوافدين الذين يعملون بطريقة عشوائية وفوضوية ويخالفون الأنظمة ويرتعون في مساحات الوطن بطريقة غير منضبطة .. قال الضيف : رأيت أحد الوافدين يقود "سطحة " ويقود معاكسا ومسرعا ومهملا لسير الطريق. ويذكر أنه أشار اليه أنه مخالف بهذه القيادة الخاطئة "ولا ينقص إلا أن يمشي على الرؤوس".. ورد عليه الوافد بحدة : ..."ما بعد شفتوا شيء".حين تصورت الموقف أجده صادما بكل معنى للكلمة، فالرجل يخطئ ومع ذلك يكابر ، ويتحدى بكل فجاجة ووقاحة ذلك المواطن، وحتى الوطن .. وتساءلت : من أين استمد هذه القوة وهو الذي يقدم نفسه كوافد مسكين "قاعد يترزق الله" .. ؟ ومن أين جاءته تلك الجسارة في أن يخطئ بكل جرأة لا مباليا ومع ذلك يرد ويغالط ويعلن أمرا أكثر من التحدي، بل ويعد بأكثر من ذلك السوء الذي فعله.أرجعني هذا المشهد إلى قضية مهمة وهي واقع الوافد العامل في بلادنا خصوصا الذين يتركون يعملون لحسابهم الخاص بشكل منفلت .. بلا رقيب، ولا متابعة من الجهة الملزمة، والمكلفة بمتابعته، ولا نبرئ بعض المواطنين الذين يتسترون ويهيئون لأمثالهم بيئة خصبة لمثل هذا العنفوان .. والخاسر دوما هو المواطن.ورجعت لمشاهد العبث في المطاعم من بعضهم، والغش في السلع، والاحتيال والنصب، أو تصنيع الممنوعات ، أو مساهمة بعضهم في أعمال شغب ، وشرور ، وعمليات مشبوهة، وجرائم متنوعة، وقتل وغير ذلك. حين تجمع كل هذا وتضعه في سلة الآهات، والأوجاع .. وتصرخ في داخلك من أتى بمثل هؤلاء ؟ من سمح لبعض المجرمين أن يجدوا فرصا للمتاجرة بكل شيء ؟ ومن أتاح لهم أن يجرموا في بلادنا على مواطنينا ؟ ومن منح الحظوظ لأصحاب التعليم البسيط، وفاقدي الخبرات ليتعلموا بيننا وعلينا ؟جدير بالذكر أن المملكة هي الدولة التي يشكّل ثلث سكانها من المقيمين والوافدين الذين يعملون والذين يتاجرون أو المرافقون لهم، وهي الدولة التي سمحت لمثل هذا العدد الضخم بأن يعيش ويعمل في أعمال كثيرة، حيث فتحت أبوابها، وأشركت المقيمين في خيراتها وخيرات أهلها، وسمحت لتحويلات مالية سنوية ضخمة جدا لبلادهم وصلت إلى ما يمثل 15% من ميزانية المملكة دون مردود من تلك التحويلات على الجانب الحكومي فكان المستفيد الوحيد هو الشريك للبنوك في عمليات التحويل، ولا نبخس بعضهم أنهم كانوا خير داعم للتنمية في مجالات عدة كالبناء ومتطلباته، أو البيع، أو في التعليم، وفي بعض الأعمال المهنية التي لا يجيدها ولا يرغبها المواطن. وحين ترى أحوال بعض الوافدين وطريقة عيشتهم، وأسلوب حياتهم وجدت حاله مرفهة ومترفة، بل إن البعض يمتلك ما لا يمتلكه مواطن يعمل الكثير .. تأملوا واقعهم في مجالات بعض التخصصات الصحية المساندة، والتجميل، وتسويق الموضات، والحلوى، والملابس، والدعاية والإعلان وغيرها كثير .ختام القول : لو خالف سائح سعودي في دولة ما لوجدنا كل اللوم عليه ، ولتمّت مخالفته بأقصى عقوبة وهو سائح لمدة أيام .. وكم سمعنا عن تنبيه المواطنين بأن يكونوا غرباء أدباء ، وألا يشاكسوا ولا يعاكسوا .. وهنا بعض الوافدين غير المسئولين تجده يرتع ولا يبالي .. وسفارته قد تدعمه وتسانده. وقد سمعنا عن تشويه صورة المملكة في بعض القضايا التي حصلت على عمال فقلبت جرائمهم إلى مظالم في بلادهم .. ألم يأن أن يرفع قانون "يا غريب خلك أديب " بقوة وصرامة تردع مثل "راعي السطحة" وأشباهه الكثير في أن يأتيه خاطر بأن يمشي فوق رؤوسنا ؟* كاتب